الأرشيف الشهري: مارس 2009

أنا وعمّان

د. محمد عدنان البخيت

تعود صلتي الشخصية بل العضوية مع عمان منذ ولادتي بقرية ماحص عام 1941 ، ومع ان ماحص تتبع ادارياً متصرفية ـ محافظة البلقاء الا انها من الناحية الفعلية على ضوء الحاجات اليومية مثل تسويق نتاجها من الخضار والفواكه والثمار في حسبة عمان (التحتا) عند حسن ابو رصاع والحاج رؤوف الجقّة وحماد السعيد وغيرهم كانت ترتبط مع عمان اكثر واكثر ، اضف الى ذلك ان المرضى من اهالي ماحص كانوا يقصدون عمان ، وبخاصة عيادة الدكتور عيسى يواكيم والد زميلي يوسف وعيادة الدكتور قاسم ملحس في شارع الرضا الذي كان يعامل مراجعيه على انهم من ضحايا الملاريا.

كما ان عمان كانت نقطة جذب للعديد من ابناء اسرتنا الذين ارتحلوا وسكنوا المحطة بداية في مطلع ثلاثينات القرن الماضي في حي المعانية ثم تحولوا الى جبل الهاشمي الشمالي وكان عدد منهم قد عمل في «الكمب camp» اي معسكر الانجليز في ماركا ، وتعلموا المفردات الانجليزية وبعض التعابير للتعامل اليومي بتلك اللغة وكان مجتمع المحطة يمثل التعدد والتنوع فهو مزيج من المعانية والشوام والشركس والدعجة والمغاربة والدروز والسلطية والعبابيد ، ومن المسيحيين والفلسطينيين ، اذكر منهم بيت الغصين ، وتعزز الحضور الفلسطيني اكثر باسكان اللاجئين من عين كارم والطيرة وغيرهما في ملعب المحطة ، ارض عزيز الشركسي ، هذا المخيم كان وما زال يُعرف باسمها ، وكانت تجري فيه المباريات الرياضية من قبل برعاية سمو الامير ـ جلالة الملك عبدالله فيما بعد ، وكان لوالدي وأعمامي نشاط تجاري على مستوى البقالات والدكاكين بداية بحي المعانية وبحي الضباط ، ثم تحوّل الى محلات جميل الصالح حتر واخوانه ، الذين كنت أشاهد عندهم في محلهم الكبير كبار المسؤولين من الوزراء ورجال الدولة والامن العام ، ناهيك عن متعهدي توريد المواد التموينية للجيش وللسجن ، والوقود الى سكة الحديد.

ونذكر هنا انه على حدود المحطة الشمالية نشأ المعسكر ومسجد الفتح ، وبجانبه السجن ، وبعد ذلك بساتين عين غزال ، التي كانت تمد اهالي المحطة بقسط وافر من حاجاتهم اليومية من الخضار ، ورافق ذلك ان والدي وعمي ابتنيا بيتاً عام م1949 بجبل الهاشمي في جوار القناوية ودار الفضلي ، وفي جوار عائلات من الصويصات من الفحيص ، واتسع هذا الحي بعدما انشئت مدرسة الزبيدية للبنات هناك ، وقامت محلات تجارية مثل محلات عبده نقاوة وغيره ، ولم تكن الطريق المعروفة الان بطريق نايفة معبدة ، حيث كانت تخيم هناك قطعات عسكرية واخرى من الامن المركزي ، وعندما كنت تلميذاً بالثانوية اسكن في الجبل الهاشمي ، كنت اسلكها لاستذكار دروسي مشياً على الاقدام ، مع انني لم اكن قد تعرفت به على مدرسة المشّائين من تلاميذ ارسطو ، وكانت عائلتنا في ماحص في الاسبوع الثالث من شهر ايار من كل عام منذ سنة م1946 تجيء الى المحطة لحضور يوم الجيش ، رمز احتفالات المملكة بعيد الاستقلال الذي كان يجري في ميادين المعسكر والمطار العسكري هناك ، وكان الناس يأتون الى هذا الموسم من مختلف مناطق المملكة وبخاصة من مناطق الجوار القريب ، وتوقف حضور اهلي بعد ان اعتمد ميدان خو ، شرقي الزرقاء ، لاقامة الاحتفالات ، وتوثقت صلتنا اكثر وأكثر بالمحطة عندما التحقت سنة م1947 بالمدرسة العلوية بحي الضباط ، وكان مدير المدرسة آنذاك المرحوم احمد السعد من بلدة الطرة من لواء الرمثا اليوم ، وكانت حطته الزرقاء وعقاله المرعز لا يفارقانه ، وكانت عادة لبس الشماغ الازرق من تقاليد ابناء القرى والمدن في الضفة الشرقية ، ولم يصبح رمزاً سياسياً الا بعد قيام منظمة التحرير عام 1964م. وكان اعتماد الشماغ الاحمر من صناعة مانشستر من تقاليد الجيش العربي الاردني ، وكان من اساتذتي في المدرسة العلوية المرحوم وليد المورلي ، الذي التقيت معه فيما بعد في اواخر ثمانينات القرن الماضي في الجامعة الاردنية ، وكان يعمل في دائرة العلاقات العامة بالجامعة ، وعندما كان يأتي لاصطحابي ، كرئيس للجامعة بالوكالة ، لافتتاح مؤتمر او استقبال ضيوف ، كنت ارفض ان اسير امامه ، بل أقدّمه على نفسي وأقول للناس: وليد استاذي لذا لا يجوز لي ان أتقدم عليه ، رحم الله الاستاذ وليد.

ولم تطل اقامتي بالمدرسة العلوية ، واذكر من زملائي فيها طلاباً من عائلات العبدلات والعوايشة وال ابو جسار ومن هذه العائلة الكريمة القابلة الحاجة مطيعة رحمها الله ، التي ولّدتني ، وطلاب من حارة المعانية والدعجة والشوام وغيرهم. واقول هنا ان المحطة كانت تعتبر الحي الاميز في عمان ، وما عليكم الا قراءة كتاب الدكتور موفق خزنة كاتبي عنها. وعدت قبل نهاية العام الى مدرسة ماحص الابتدائية ، ومنها الى مدرسة صويلح الاعدادية ، وبعد ذلك ، وفي عام 1957 ـ م1958 التحقت بكلية الحسين لمدة عامين ، لاستكمال المرحلة الثانوية ، فعدت للسكن في المحطة من جديد ، وكنا نعتمد الحافلات الكبيرة للذهاب والاياب الى شارع الشابسوغ في وسط عمان ، وأتذكر من اصحاب الحافلات الحاج عبدالله ابو قورة ، ورجب خشمان ، وجميل الصالح حتر ، وزهدي عصفور ، وسليمان البخيت (ابو عارف) ، وجميل مسمار ، وغيرهم ، وكانت الاجرة زهيدة ويُعطى الطلبة حسماً مجزياً ، واحياناً لا تؤخذ منا اجرة اذا كان «الكنترول» او المفتش العام ، يعرفنا ، وقصّت السواعد القوية من اهالي الخليل سفح الجبل الحامل لسكة الحديد والممتد من مفرق النشاء الى مدخل المحطة ، كما يقص الخياط الماهر ثوب القماش ، لاقامة محلات صناعية وتجارية جديدة على جانبي الطريق الواصل الى المحطة ، من اهمها مصنع السكاكر للكسيح ، الذي درّسني ابنه البكر بشير في كلية الحسين ، وزاملته فيما بعد بالجامعة الامريكية ، ومصنع السكب لموسى عبدالنبي ، زميل عبدالحميد شومان في عالم الهجرة بامريكا ، وكان والدي يراجع كثيراً مصنع السكب ، لانه كان يمتلك ، مع آخرين ، مطحنة بماحص ولهذا كان يتردد على ذاك المصنع.

وأهم الاحداث اليومية بالنسبة لنا بالمحطة كانت عندما نسمع زعيق صفارات القطار القادم من معان او من الشام ، ونراقب عن بُعد تزاحم العتالة واصحاب الحافلات الصغيرة عند وقوف القطار لاختطاف الركاب وعفشهم ، والامر الآخر الذي يهمنا كان هبوط الطائرات في مطار عمان المدني الصغير ، وكان السفر بالطائرات من الميزات التي تتمتع بها القلة المحظوظة. وأذكر انني سافرت لاول مرة مضطراً بالطائرة الى بيروت ، بعد اغلاق الحدود السورية – الاردنية ، وذلك عند انفكاك عُرى الوحدة بين سورية ومصر في ايلول 1961م. وكنا نرى مواكب الضيوف في قدومهم وترحالهم من المطار ، وفي الطريق الى المطار في المحطة تم اغتيال صاحب الميثاق اللبناني ، الزعيم رياض الصلح ، في 16 تموز م1951 ، على يد افراد مكلفين بذلك من الحزب القومي الاجتماعي السوري ، رداً على اعدام مؤسس الحزب انطوان سعادة ، صاحب العرزال ، كما بين ذلك سامي الخوري في مذكراته ، وعلى ضوء ما نشرته عائلة الصلح عن اغتيال كبيرها. وكان انتشار الحزب القومي السوري محدوداً في الاردن ، وجاءت مجموعة من اعضائه لاجئة الى عمان بعد فشل انقلاب الحزب عام م1963 على الرئيس اللبناني الاسبق فؤاد شهاب ، منهم علي غندور الذي شاركنا مع عدد من الزملاء في تأسيس جمعية الشؤون الدولية بمبادرة من الشريف عبدالحميد شرف عام 1977م.

وكنّا نصل من شارع الشابسوغ الى كلية الحسين سيراً على الاقدام ، ومثل ذلك في طريق العودة ، وكنّا نفعل مثل ذلك عندما كنا نُدعى عند الاصدقاء في مناطق عمان ، وكنت أشاهد كبار موظفي الدولة يحضرون في الصباح الى مكاتبهم سيراً على الاقدام ، او بالاعتماد على سيارات الاجرة ، حيث يشارك الواحد منهم غيره من الركاب في تلك السيارة ، وما زلت اذكر قاضي عمان الشرعي ، ورئيس المحاكم الشرعية فيما بعد ، امام الحضرة الهاشمية ، الشيخ محمد فال الشنقيطي ، يحضر من بيته في جبل الجوفة الى المحكمة الشرعية عند طلعة جبل الحسين ، ويعود بعد الظهر سيرا على قدميه. وكنت كثيرا ما ازور بيوت زملائنا في المدرسة من علية القوم ، او من العاديين من خلق الله امثالنا ، فلا اجد فروقا كبيرة في الاثاث والرياش بينهما ، وكم كنا – من باب الفضول – نطل على بيت المرحوم هزاع المجالي تحت ساحة كلية الحسين ، فلا نجده مختلفا عن بيوت بقية المواطنين ، اقول ذلك لا لاقارن بما نراه اليوم ، بل لأتأكد ان ذاكرتي ما زالت تحتفظ بهذه الصورة الجميلة والمشرفة لاهل عمان وقاطنيها في مجتمع كان يقوم على الاخلاق والثقة والنزاهة والانجاز والتنافس الشريف. وكنا نتلقى العلم على أيدي اساتذة أفاضل على رأسهم نجاتي البخاري الذي كان قد درس بالهند ، لذا كان يحاضرنا عن شاعر الهند الكبير طاغور وعن مهاتما غاندي ، خاصة عن جنازته وهو باني الهند الحديثة مع جواهر لال نهرو الذي سمعته مرة يحاضر بالجامعة الاميركية ببيروت ، التي منحته مفتاحها ، وكان معه ابنته انديرا غاندي ، رئيسة الوزراء فيما بعد ، التي قابلتها وتحدثت اليها في حفل اقامة السفير الاردني في نيودلهي في نيسان م1979 ، في حديقة بيته المجاور لبيتها ، وجاءت مسلمة على سمو الامير الحسن بن طلال عندما كان يزور الهند في طريقه الى اندونيسيا وماليزيا ، ونحن بمعيته.

واذكر من اساتذة كلية الحسين المرحوم لطفي عثمان ، استاذ اللغة العربية فيها ، وهو شامي الاصل ، وابنه عدنان كان يزور والدي رحمه الله ليستقي منه معلومات عن المدارس والتعليم في مطلع القرن العشرين ، ذكرها في رسالته للدكتوراة ، ومحمد عبده هاشم ، استاذ مادة الدين ، وعبد خلف داؤوية ، استاذ الرياضيات وسابا الزنانيري ، استاذ اللغة الانجليزية ، وكذلك منير النجار ، الرجل الذي كنا نعشق اسلوبه في تدريس الانجليزية ولا أنسى المرحوم عمر طبيلة ، الرجل الموهوب بتدريس مادة الفيزياء ، واستاذ الرياضيات سليم الطاهر وخليل الامام استاذ التاريخ ، وغيرهم من الاساتذة الاجلاء رحم الله من توفي منهم ، واطال في اعمار الاحياء منهم.

وكانت الحزبية ، مثل: حركة الاخوان المسلمين ، وحزب البعث العربي الاشتراكي ، وحركة القوميين العرب ، والحزب الشيوعي ، معروفة لدى طلبة الكلية ، ولكن اثرها كان محدودا ، نظرا للرقابة المفروضة على الطلاب في اطار الاحكام العرفية ، وكنا نستمع الى اذاعة صوت العرب من القاهرة ولكن بحذر شديد ، حيث حلت الاحزاب ونقل كثير من أعضائها العاملين الي سجن المحطة او الى الجفر او الى باير ، ومن ذاك اليوم ثبت فشل التجربة الحزبي في الاردن ، لانطلاقها من قاعدة الخروج على الشرعية ومخالفة الدستور ، ولم يعد للناس القابلية للانضمام الى الاحزاب التي لم تستهوني اي منها ، لذلك لم اتصل بأي تنظيم ما كان ، ومن هنا كنا موضع اتهام زملائنا الطلاب الحزبيين في الداخل والخارج بأننا «رجعيون» و«بدو» ومن «زلم النظام». ودارت الايام فاذا المناصب الكبرى تستند لاولئك الحزبيين ، ولم كان يتهمنا بأننا لم نتغير ، اننا لم نبدل في قناعاتنا ومنطلقاتنا الوطنية والقومية ، وما زلنا على هذا الخط نسير ، وهو الانتماء للوطن والامة والاخلاص لهما.

اثناء وجودي في عمان ، لم اشارك في المهرجانات والمظاهرات ، بل انصرفت بشكل كلي للدراسة ، وكنت اذهب مع عمي محمد (ابو المنذر) ايام الجمع ، عندما اكون في المحطة ، لأداء صلاة الجمعة في جامع الكلية العلمية الاسلامية بجبل عمان ، هذه الكلية أنشأتها مجموعة من اهل الخير من شوام عمان عام 1366هـ ـ م1947 ، وكان الدافع لدى عمي ولدي الاستماع لخطبة الجمعة التي كان يلقيها استاذي في كلية الحسين المرحوم محمد عبده هاشم ، وكانت خطبه تعتبر اصلاحية وجريئة في حينها ، أما اذا ما قورنت بما نسمع اليوم فكانت عادية ومهذبة ، وكلما مررت بمسجد الكلية اتذكر انني قدمت امتحانات الشهادة الثانوية فيها حسب التقاليد المتبعة لدى وزارة التربية والتعليم ، في ان يقدم الطلاب الامتحانات للدراسة الثانوية في مدارس غير مدارسهم ، ولم تكن عادة الاعتداء على الاساتذة معروفة ولا مقبولة. وكنت في نيسان م1974 قد اجتمعت برفقة زميلي معاوية ابراهيم مع المرحوم بشير الصباغ لوضع تعليمات الجمعية التاريخية الاردنية ، وسمي بشير رئيسا مؤسسا لها ، وهكذا ورد اسمه في قائمة المشاركين في المؤتمر الدولي الاول لتاريخ بلاد الشام عام 1974 ، وكان مبنى وزارة التربية والتعليم يقوم بجانبها ، والوزير الشيخ محمد الامين الشنقيطي يداوم عصرا ومغربا وعشاء فيها ، لمتابعة اعمال الوزارة التي كانت تقوم على المركزية الادارية الشديدة في ادارة امور التربية والتعليم في الضفتين.

وعندما تم اختيار 54 طالبا عام 1959 من اوائل الضفتين ، اوفدنا للدراسة بالجامعة الاميركية ببيروت ، على ان نعود ونخدم مع الوزارة بموجب كفالات وضمانات امنية ، وكان قد سافر معي عدد من زملائي في كلية الحسين ، مثل المرحوم عدنان علاوي وراضي الشنقيطي وموفق حدادين وكان معنا عدد من ابناء الحدادين في الكلية امتازوا بالجدية. وكان سفرنا جماعيا من ساحة مدرسة الملكة زين الشرف بالدوار الاول من جبل عمان بواسطة سيارات صغيرة استأجرتها الوزارة من مكاتب شركة بتراء وباشراف نوري شفيق الوزير فيما بعد. وكان من ابرز العاملين بالوزارة آنذاك المرحوم الشيخ ابراهيم القطان ، الذي عرف بتنوره واستنارته الفكرية وكان قريبا من المرحوم حمد الفرحان القومي العربي المعروف ، لذا كان الشيخ الشنقيطي يخاطبه من باب الطرافة وبقية زملائه في تحركهم السياسي ، بحزب الارمن. وكان هناك المرحوم ذوقان الهنداوي ، والمرحوم خليل السالم والمرحوم حسني فريز وغيرهم من اصحاب الأيادي البيضاء والفضل على التعليم في الاردن الذي ارتكز على خطط تربوية مدروسة ومناهج دقيقة محكمة. ولم تكن مديرية المناهج قد سيست بعد ، قبل ان توكل الاعضاء في حركة الاخوان المسلمين ، من ابرزهم اسحق الفرحان وعبداللطيف عربيات وغيرهما.

ولا بد ان اشير هنا الى حادث مهم في حياتنا الطالبية بكلية الحسين ، اذ كانت المدرسة الثانوية الوحيدة التي تستقبل الطلاب من محافظة عمان التي كانت تشمل مادبا وقراها وصويلح والقري التابعة لها ، ومدارس عمان ومحيطها بطبيعة الحال ، وكانت المكان والملتقى لكل طلاب الصفين النهائيين في مرحلة التوجيهي من هذه المناطق ، فكانت بذلك البوتقة الوطنية لكل طلابها على تعدد مشاربهم واصولهم ، وكانت الوزارة تختار لها صفوة المعلمين. ومن ابرز الاحداث في حياة الكلية كانت عندما اندفع طلابها بشكل عفوي دون اذن الادارة وانطلقوا ركضا على امتداد طريق وادي الحدادة الضيق والمنحدر باتجاه قصر رغدان وذلك عندما تناهى الى اسماعهم في ضحى العاشر من تشرين الاول 1958 ان طائرات ميج سورية هاجمت طائرة جلالة الملك الحسين وهو يمر في الاجواء السورية في طريقه الى اوروبا ، واستطاع ان يتحاشاها ويعود الى مطار ماركا العسكري ، ويعود سالما الى قصر رغدان. وعندما شاع الخبر تدفقت الناس لتتأكد من سلامة الملك ، فأمضى سحابة اليوم وهو يحيي الناس ، ولم يصغ لطلب الوزراء والمرافقين له بالدخول الى داخل القصر ، بل اصر على تحية الجماهير وكان طلاب كلية الحسين من اوائل الذين وصلوا وهتفوا للملك وحيوه الى ان غابت الشمس. وهذا يذكرني بزخم الجماهير وفرحتها عندما عرب الملك الراحل قيادة الجيش واقال جون باجوت كلوب في الاول من اذار من عام 1956 فجئنا تلاميذ المدرسة من صويلح لنشارك في الفرحة ، ورأينا الملك واقفا امام محلات الحايك في شارع الملك فيصل محاطا بالوزراء والجماهير تمر جذلى من امامه ، تقدم له التحية ، وهو يلوح لها بمثل ذلك من المحبة والاحترام.

ان دراستي بالجامعة الاميركية ببيروت لم تقطع صلتي بعمان ، بل بقيت مستمرة ، حتى ان النشاطات التي لم أتمكن من حضورها في لبنان احضرها في عمان ، مثل حفلات السيدة فيروز ، حضرت مع والدي واحدة منها في المدرج الروماني في صيف 1963 ، ليلة غنت «اردن ارض العزم» وهكذا عادت الحياة والحيوية الى المدرج وسمعنا كثيرا من النقد قبل ذلك في عهد حكومة المرحوم هزاع المجالي ، عندما تم التزلج على الثلج الاصطناعي في صحن المدرج ، وبالرغم من ذلك حافظت الانشطة العامة على وجودها ونوعيتها الى يومنا هذا. وبعد عودتي من بيروت عام 1966 كنت احضر النشاطات الفكرية التي تقيمها امانة العاصمة ، بمبادرة من المرحوم عبد الحميد شرف ، الذي كان ينظم محاضرات عامة دعا اليها بالدرجة الاولى اساتذة من الجامعة الامريكية ببيروت ، وبعد مباشرتي العمل بقسم التاريخ بالجامعة الاردنية في ايار م1972 ، كنت افيد من مكتبة الامانة واليها احيل طلابي ، واصبحت في عهد الامين علي السحيمات 1989« – »1991 عضوا في مجلس امنائها ، وكان حريصا على انشاء فروع للمكتبة العامة في الضواحي ، واذكر انني حضرت معه افتتاح فرع صويلح ، وقبل ذلك خدمت عضوا في لجنة تسمية الشوارع في عمان الكبرى في عهد الامين مع ابو نوار 1967« – »1979 وكانت اللجنة برئاسة كامل ابو جابر ، ومن اعضائها المرحوم محمود العابدي وروكس بن زائد العزيزي ومن جانب الامانة المهندس خالد البوريني والمهندس ماجد العبوة ، واذكر اننا كنا ندير الموضوع كما لو كنا في حلقة بحث علمية في اختيار الاسماء وتبيان المسببات الموجبة واستعراض سيرة صاحب الاسم ، واستطعنا ان نطلق اسماء شهداء القوات المسلحة على عدد كبير من الشوارع ، ومثل ذلك اسماء القرى الاردنية ، الا ان اسماء اخرى كثيرة كانت تزج وتقحم علينا تحت دواعي الضغوط الاجتماعية ، وهذا يفسر لنا ما نقرأه اليوم من اسماء على اللوحات الارشادية ، واصبحت الحاجة ملحة لاعادة تنقيح الاسماء وغربلتها من جديد.

وتم اختياري في عهد عبدالرؤوف الروابدة عندما كان امينا لعمان الكبرى 1987« – »1989 عضوا في متحف الحياة السياسية اذكر من الاعضاء الزملاء المهندس وضاح العابدي والمهندسة دالية الخوري ، واوكل امر امانة سر المتحف للمرحوم سليمان الموسى ، واختارني الروابدة مع عدد من جال الفكر والسياسة والفن لعضوية المجلس الثقافي لمدينة عمان. واذكر منهم المرحوم حمد الفرحان ، وطاهر حكمت ، والسيدة ليلى شرف ، ، والاميرة وجدان الهاشمي ، وكان الاستاذ طارق مصاروة امين سر هذا المجلس ، كما شاركت مع غيري وباسهام كبير من احد مهندسي الجامعة الاردنية رؤوف خوري المهندس الملهم في مناقشة العناصر المكونة لتصميم وعلم مدينة عمان المعروف لدينا جميعا بأقواسه وباشاراته لقصور بني امية ، والذي لسوء الحظ قد الغي مؤخرا واستعيض عنه بعلم جديد على امل ان يكون معبرا عن عمان البشر والحجر والعمارة والعمران كما يقول ابن خلدون ، ومثل ذلك جاءت مشاركتي مع عدد من الزملاء ، مثل معاوية ابراهيم وغازي بيشة وزيدان كفافي وطالب الرفاعي وغيرهم في مشروع المتحف الوطني الذي بادرت اليه وطرحت فكرته وتابعته لعدة سنوات السيدة الشريفة هند ناصر ، ووضعنا الافكار والدراسات وتمت الاستعانة بخبير من اليونسكو ثم اصبح هذا المشروع من مهام امانة عمان الكبرى ، وكان من المفروض ان يقام في هذه المنطقة المطلة على المدرج الروماني بقصد اعادة الحياة الى قلب مدينة عمان ، ولكن اختير له المكان المجاور لامانة عمان الكبرى في راس العين او سوق الحلال ، كما كان يعرف سابقا.

وطرحت افكار في 1977 – 1978 لكتابة تاريخ مدينة عمان بمناسبة مرور مائة عام على استقرار الشركة فيها ، وكانت وجهة نظري ان الاستقرار السكاني بعمان اقدم من وصول الشركس بدءا من عرائس عين غزال وحوريتها قبل ثمانية الاف عام الى يومنا هذا ، ويمكن ان اشير هنا الى دراسات اليستر نورثج:

Alastair Northedg: Studies on Roman and Islamic “Amman O.U.P.” 2991

واشير هنا ايضا الى دراسات Martin Almaro وابنه Antonio عن القلعة ، وعن المسجد وقصر الحكم الاموي الذي حاول الشعار القديم ان يستوعبهما ، فالحضور العربي كان وسيبقى من مميزات عمان.

كنا في منزل احد الاصدقاء على العشاء بمعية سمو الامير الحسن بن طلال ، وبحضور رئيس الوزراء انذاك ، فطلب مني كتابة تاريخ عمان ، فتدخل احد الحضور ممازحا ومتسائلا عن علاقتي بعمان ، وانا لست من سكانها؟ فكان جوابي عمان لمن يحبها ويدافع عنها ، وليس لمن يفيد من غلاء اسعار الاراضي فيها ، وبالرغم من ذلك ، لم انس واجبي نحو عمان ، من هنا وجهت طلابي للماجستير والدكتوراة لكتابة تواريخ المدن وجوارها في الاردن وفلسطين ، وقام تلميذي وزميلي نوفان الحمود باعداد رسالة للدكتوراه عن عمان وجوارها ، وكانت رسالة رائدة في الموضوع وتبعتها دراسات كثيرة عن عمان ، من اهمها ما اعدته فيما بعد هند ابو الشعر وجورج طريف ونوفان الحمود عن تاريخ المدينة ، اضف الى ذلك دراسة جودت ناشخو عن تاريخ الشركس الذي اشرفت على عمله وتابع الاشراف عليه عبدالكريم غرايبة ، بعد انتقالي لتولي رئاسة جامعة مؤتة سنة 1991 – م1993 وكنت قد تنبهت لأهمية سجلات المحكمة الشرعية لقرية عمان فقمت مع زملائي بتصويرها لحساب مكتبه مركز الوثائق والمخطوطات ضمن مشروع تصوير سجلات المحاكم الشرعية والكنيسة والاوقاف ، في مختلف مدن وقصبات بلاد الشام ، وبذلك اقمنا تاريخنا على اعرق المصادر وانقاها ، ومن هنا جاءت الموافقة لأحد طلاب الدراسات العليا بجامعة آل البيت بتحقيق السجل الاول من هذه السجلات ودراسته ، وتم ذلك تحت اشراف هند ابو الشعر وتم نشره.

واستهوتني وما زالت بيوت عمان على مختلف مستويات اصحابها الاجتماعية ، ومن هذا المنطلق ، عندما عثرت في احدى زياراتي على رفوف مكتبة قسم العمارة بكلية الهندسة بالجامعة الاردنية على مجموعة من المخططات لبيوت عمان الاولى – اعدها طلاب قسم العمارة بالجامعة الاردنية قمت بجمعها بعد التنسيق مع الاساتذة المشرفين ، ونشرت عندما كنت عميدا للبحث العلمي سنة م1987 ، كتاب «بيوت عمان الاولى» من اعداد طالب الرفاعي وربا كنعان ، وقدمت للعمل بدراسة تعربفبة عن تاريخ مدينة عمان – مشيرا الى وصف الجغرافيين العرب لعمان ، واوردت قبسات من سجلات المحاكم الشرعية ، وايضا ما جاء عنها في السالنامة لعام م1881 والسالنامة هي الكتاب السنوي الذي كانت تصدره الدولة العثمانية سنويا ، كما نشرت في العام التالي دراسة مماثلة عن عراق الامير – البردون – وهي من قرى عمان ، ومن حسن الحظ ان المهندس محمد رفيع كشف الغطاء عن الاف الاوراق المتعلقة ببيوت عمان حتى مطلع الخمسينات ، ونشرها في عدد من المجلات ، وعندما قدمت لأحد كتبه ذكرت ان عمان قد قررت الاسترخاء على ضفتي سيلها استفاقت من سباتها عندما فكر السلطان عبدالحميد الثاني 1876« – 1909م» بانشاء الولاية الحميدية تكون عمان مقرها ومركزها ، لذا فراحت لارتباطها مع استانبول بالخط الحديدي الحجازي سنة م1908 وصولا الى المدينة المنورة ، ونهضت من غفوتها التاريخية لتتحول من قرية الى عاصمة للامارة ـ المملكة الاردنية الهاشمية عام م1928 ، بعد ان وقع الخيار عليها بعد المفاضلة بينها وبين السلط ، وكبرت عمان بأهلها وبقيادتها ومن هنا نفهم المثل الدارج «حد علمك وعمان قرية».

وتستمر قصتي مع عمان بعد ان سكنت في احدى ضواحيها ، وما زلت اوجه الطلاب لدراسة تاريخها وعمرانها وعنيت بتوثيق وجوه الحياة فيها ، وعرضت الامر على امين عمان الكبرى فأعجبته الفكرة وشكل لجنة لهذا الموضوع عقدت عددا من الاجتماعات ووضعت تقريرا قدمنا له فوافق مبدئيا على مباشرة العمل ، ونأمل ان تباشر الامانة بهذا المشروع الكبير ، والمطلوب ان نعلي صوتنا بالدعوة لتوثيق عمان ، كل عمان ، حتى لا يمر الزمن وتختفي عمان التي نحبها ونعشقها ، وتحل الابراج محل بيوت المحبة والنخوة والشهامة ولات ساعة مندم.

اشكر لبيت الشعر الاردني تلطفه بتكريمي ، بحضور هذه النخبة العزيزة: زوجتي واهلي واصدقائي ومحبي عمان ، واقدر لزملائي الذين تفضلوا بتقديم شهاداتهم عني ان اشكر ادبهم ووفاءهم وعطاءهم الموصول ، اشكر الاخوة نصر صالح ومعاوية ابراهيم ومحمد الارناؤوط وهند ابو الشعر وسلامة نعيمات ، وأسأل الله ان يحفظهم جميعا ، واشكر امين عمان ونوابه ووكلاءه ومدراء المناطق ، والشكر الخاص للاستاذ المرهف الحس حبيب الزيودي ، رمز العصامية والعطاء والابداع في زمن الكد والكبد ، والشكر موصول بكل المحبة الى الاستاذ محمد رفيع ، الذي ادار هذا اللقاء الاسري الحميم ، واسجل عرفاني وتقديري للعاملين في الدائرة الثقافية بأمانة عمان الكبرى ، وعلى رأسهم الصديق العزيز والشاعر الكبير عبدالله رضوان ، الذي يرعى كتبي وينشرها ويتأكد ان لا تبقى لديه نسخة واحدة منها في المخازن ، ومن دواعي سروري ان اشكر وسائل الاعلام المرئية والمقروءة والمسموعة على تكرمها بتغطية اخبار هذا التكريم.

وتبقى قصة عمان للكاتب العربي الكبير المرحوم عبدالرحمن منيف خير ما يعبر عن عمان ، عمان التي للأسف لم تنجب ابناء لها يعتدون بالانتساب اليها ، فكل ابنائها ينتسبون الى عشائرهم وقراهم ومناطقهم وهوياتهم ، ومع ذلك تبقى عمان بارة بهم ، تحنو عليهم وتسقيهم من كوثر سبيلها ، معظم المدن تنشأ على الانهار وعمان من راس العين والمصدار الى عين غزال ، لديها سيل عليه طواحين ودفلى وازهار ، وماؤها على ضآلته يبقى نقيا يشربه الناس سلسبيلا ولا يشرقون به ، انا لست عمان ولا يجوز لأحد ان يدعي انه عمان ، انا اسكن على اطراف عمان وعمان تسكنني على الدوام فاحموني من حبي لعمان واهلها واغيثوني.

. نص الكلمة التي القاها الكاتب بمناسبة تكريمه في بيت الشعر ـ امانة عمان الكبرى

شارع الملك فيصل قلب العاصمة عمّان

شارع الملك فيصل في أربعينات القرن العشرين ويبدو مبنى دائرة البريد القديم حتى 1944م حيث إنتقل الى المبنى الجديد في شارع الأمير محمد . وبجانبه عمارة إحتوت على مخفر للشرطة في الثلاثينات . أزيلت العمارة وأقيم مكانها مبنى البنك العربي

“شارع الملك فيصل في أربعينات القرن العشرين ويبدو مبنى دائرة البريد القديم حتى 1944م حيث إنتقل الى المبنى الجديد في شارع الأمير محمد . وبجانبه عمارة إحتوت على مخفر للشرطة في الثلاثينات . أزيلت العمارة وأقيم مكانها مبنى البنك العربي”

- يقع شارع الملك فيصل في قلب العاصمة عمّان كان يمتد على طول شارع الملك فيصل قديماً العديد من المباني والمنازل القديمة والتي بنيت باستخدام الطوب والحجارة، وسقّفت بجسور خشبية؛ كما كانت هذه المباني لا تزيد على طابق واحد. كان يقطن هذه المنازل المهاجرون الشراكسة وذلك في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

كان يعتبر هذا الشارع من أشهر وأوسع شوارع عمان قديماً، وكان الشارع في بداية الأربعينات من القرن العشرين يغص بالإحتفالات الوطنية والشعبية المقامة على أرصفة وشرفات وسطوح المنازل المطلة على الشارع.

كما كانت استعراضات الجيش العربي تقام في شارع الملك فيصل، وذلك في الثلاثينات من القرن العشرين. كان يصطف في مقدمة الإستعراض ضباط وأفراد لشرطة بلباسهم الرسمي، وفي المؤخرة القوة السيّارة، ثم قوة سيّارة من البادية الأردنية وإلى اليسار مجموعة من فرسان الجيش العربي الأردني. كما كان الملك عبد الله الأول بن الحسين يقلّد الأوسمة لضباط وأفراد الجيش العربي في ساحة هذا الشارع.

كما كان من أهم الأحداث الذي عاصرها شارع الملك فيصل في الثلاثينات من القرن العشرين، الجنازة الرسمية التي أقيمت للشريف حسين بن علي، وهو في طريقه إلى القدس ليوارى جثمانه الثرى في حرم المسجد الأقصى بناءً على وصيته ورغبة أهل فلسطين.

وكان يتواجد في هذا الشارع قديماً: مبنى البلدية القديم، ومقهى حمدان ومقهى الشالاتي في نفس موقع سوق منكو الحالي.

كان مقهى حمدان أهم وأكبر المقاهي في قلب مدينة عمّان، وكان يرتاده الموظفين والمثقفين والرياضيين. فيما هدم هذا المبنى، وأقيم فوقه سوق الصاغة.

بينما مقهى الشالاتي فقد اشتهر آنذاك بظهور أول جهاز راديو داخل المقهى سنة 1935م، وكان يعمل بالبطارية السائلة. وكان الراديو يسمع رواد المقهى القرآن لكبار مقرئي العصر في مصر؛ مثل: محمد رفعت، وعبد الفتاح الشعشاعي. كما كان الراديو يبث الأخبار، وينقل أغاني المطربين والمطربات؛ مثل: أم كلثوم، وصالح عبد الحي.

وفي أوائل الخمسينات من القرن العشرين، أصبح شارع الملك فيصل من الأسواق التجارية الهامة، حيث انتشر فيه: المباني ذات الطوابق المتعددة، والفنادق، والبنوك، وأسواق الذهب، وسوق منكو الشهير، ومكاتب سيارات الأجرة وسيارات نقل الناس إلى القدس ودمشق وبيروت، دار للسينما ومحلات تجارية راقية وكبيرة، والعديد العديد من المحال الأخرى: كوكالات المنتجات العالمية من الساعات، والأحذية، والدراجات.

.المراجع

* عمان: تاريخ وصور؛ للمؤلف أرسلان رمضان بكج. رقم الإيداع لدى المكتبة الوطنية ( 1029/ 4/ 2002).
* عمّان، بين الأمس واليوم. للمؤلف أرسلان رمضان بكج. تصميم هلينا هنلي وطباعة دبليو إس كويل، لندن وإبسويتش.

ادراج عمان, للوصول الى سفوح وقمم الجبال

d8a3d8afd8b1d8a7d8ac-d8b9d985d991d8a7d986-d8a7d984d982d8afd98ad985d8a9

تشكل الادراج التراثية العمّانية جزءا من سمات جبال عمّان وتسجل ذكريات الكثير من أبنائها وبناتها ومعلما من معالمها العمرانية.. تلك الادراج التراثية التي تحيط بقلب عمان ومعظمها مبني من الحجر والطين وشملها اهتمام امانة عمان بالترميم من خلال استخدام الاسمنت ، فالاسمنت لم يكن مستخدما في السابق ، واستخدمه الاردنيون اول مرة لبناء احدى مآذن المسجد الحسيني في الفترة الواقعة بين عامي 1924 – ,1927ولا شك ان طبوغرافية عمان بوصفها محاطة بالجبال فرضت على سكانها بناء الادراج للوصول الى سفوح وقمم الجبال ، وظل هذا الامر ركنا رئيسيا لسكانها في الحقب التاريخية كافة ، وقد تم احصاء 26 درجا تطل على الوادي من سفح جبل عمان من جهة طلوع الحايك.درج الكلحةويربط درج الكلحة وسط البلد من اول شارع الملك حسين بجبل اللويبدة ويتوسطه اشهر بائع قطائف في عمان “ابوعلي”.. وحمل هذا الدرج اسماء مختلفة الى اربعينيات القرن الماضي والاعتقاد الراسخ لدى العمانيين انه اكتسب اسمه بعد ان سكنت اكثر من اسرة من عائلة “الكلحة” في البيوت المنتشرة على جانبي الدرج ، واصبح مختار الحي من نفس العائلة فأخذ الناس يستخدمون اسم المختار الكلحة للإشارة الى المكان ومع الوقت اصبح اسمه درج الكلحة.درج جويبر «الكواكب»ويقع درج جويبر “الكواكب” في شارع طلال بالجهة المقابلة لسوق الخضار ويعود تاريخه الى حقبة الثلاثينيات ويربط شارع طلال بشارع خرفان بجبل عمان ، واستمد اسمه من بيت الشيخ جويبر جازي العتيبي “الحجازي” من رجالات الثورة العربية الكبرى واحد موظفي تشريفات العشائر في الديوان الملكي الهاشمي وبيته كان صممه هندسيا الشريف المهندس فواز مهنا ، ومن ثم قام يوسف الدلال ببناء سينما الكواكب واستبدل الناس الاسم باسم “درج الكواكب”.درج الاستقلالاما درج الاستقلال فيقع في بداية شارع الامير محمد مقابل البريد المركزي ، واكتسب هذا الاسم لإن مكتبة الاستقلال “الفرع القديم” تجاور آخر درجاته ، ويبدو انه اكتسب هذا الاسم بعد عام 1946 اي بعد انتهاء الانتداب البريطاني على الاردن ، ولكنه كان موجوداً قبل ذلك ، وليس هناك توثيق يوضح الاسم الذي كان يحمله ولكنه اكتسب شهرة واسعة في ثلاثينيات القرن الماضي. ووفقا لمعلومات اكدها المهندس فراس الربضي رئيس قسم التراث العمراني في الامانة ، فان الدرج كان يقع مقابل دار لـ “سينما صيفية مكشوفة” اقيمت في المكان والتي اصبحت فيما بعد سينما فرساي ، وكان الفقراء ممن يؤمون عمان من القرى والأرياف يستخدمون درجات درج الاستقلال لمشاهدة الافلام التي كانت دار السينما تعرضها دون ان يدفعوا ثمنا لتذاكر دخول السينما. وكان بإمكان الواقف على حافة الشارع الواقع في الجانب الشمالي من جبل عمان ، أمام منزل رئيس الوزراء الأسبق توفيق أبو الهدى ، مشاهدة فيلم يعرض على شاشة تلك السينما الفريدة في تاريخ عمان ، فقد كانت أول وآخر دار سينما صيفية.درج منكوويصل درج منكو شارع بسمان بسوق منكو ، وهذه السوق هي اول سوق تنشأ في عمان عام 1926 وهو مبني من الحجر ، ولم تطرأ عليه تغييرات جوهرية.درج «الشرعية»درج المحكمة الشرعية هو الذي يصل شارع بسمان بالشارع العلوي الموازي له ، ودرجات هذا الدرج تحتفظ بقصص وحكايات الاف العرسان ممن صعدوه للوصول الى المحكمة الشرعية لعقد قرانهم وهو درج تراثي.درج المحكمةاما درج المحكمة الواقع بمحاذاة قصر العدل القديم في شارع السلط ، فهو من الادراج العريقة الذي يربط شارع السلط على مشارف العبدلي بجبل القلعة وكان يقع في اول الدرج يمينا اول دار للكمال الجسماني واسسها “انذاك” عبدالمنعم ابوطوق وتدرب فيها ابطال اللعبة القدامى وابرزهم ابو جريشه ونمر كعوش الشهير بلقب “تايغر”.درج حترما يزال درج حتر يحتفظ بقصة الاسرة من عائلة حتر التي كانت تسكن عند آخر درجاته ولكنها غادرت المكان منذ سنين طوال ، ولكن الاسم ظل ملتصقا بالدرج ، ويقع بمحاذاة كنيسة دير اللاتين الواقعة في اول طلوع المصدار وهو من الادراج التراثية الجميلة.

.الدستور

فندق «الملك غازي» يختزل ذاكرة عمان

شرفات الواجهة الأمامية الهلالية للفندق الذي كان يستقبل شيوخ العشائر والباشوات

.تلمح حضور عمان بثوبها العتيق وأنت أمام واجهة مبنى فندق «الملك غازي» بشرفاته المبنية من الحجر القديم على الطراز الشامي. الفندق شيد في العشرينيات من القرن الماضي ويقع في بداية شارع السعادة المتفرع من شارع الملك طلال.

شرفات الواجهة الأمامية الهلالية مبينة بأسلوب «العقدة القديمة» للحجر المشذب وتعلوها مناور منها ما هو على شكل دائري ومنها ما هو مستطيل مؤطر بحجر مرقق بارز، حيث تستوحي من هذه المناور قدم المكان وعراقة المبنى.

وتعود ملكية مبنى فندق الملك غازي إلى علي الكردي الذي شيده لعائلته. وفي عام 1950 استأجره محمد مفلح الزعبي وحوله إلى فندق اطلق عليه اسم «فندق الملك غازي»، الذي يعتبر من اقدم الفنادق العاملة في وسط عمان منذ الخمسينات من القرن الماضي.

ومن ذاكرة محمد مفلح الزعبي المتوقدة نقتبس ما فاتنا من خمسينات عمان. وقال الحاج الثمانيني «كان فندق الملك غازي امتدادا لعملي قبل عام 1950 في مجال الفنادق عندما اسست في عام 1938 عدة اوتيلات منها «السعادة» و«الجزيرة» و«قصر الحمراء». لكن علاقتي بزبائني من شيوخ العشائر والشخصيات الأردنية استمرت حتى بعد انتقالي الى فندق «الملك غازي»، منهم «الشيوخ والباشاوات، الذين كانوا يترددون على مدينة عمان قبل الخمسينيات.. من بينهم حمد بن جازي وكليب الشريدة وعضوب الزبن وهارون الجازي وراشد باشا الخزاعي ومفلح اسعد البطاينة اضافة الى العديد من ابناء البادية في الجنوب والوسط والشمال الذين تربطني بآبائهم علاقات صداقة ما زالت مستمرة لغاية الآن». وأضاف ان زبائن الفندق كانوا يقيمون فيه الى حين انهاء مراجعاتهم للدوائر الحكومية وقضاء مصالحهم.

وأشار الى ان أعلى اجرة تقاضاها لليلة مبيت واحدة في فنادق عمان كانت لا تتجاوز الخمسة قروش.. «ولم يكن الكل قادرين على دفعها في ذلك الوقت، ومن يستطع دفعها هم الميسورون»، مبينا ان دفع الأجرة في كثير من الاحيان كان بالدين والسداد على الموسم، وهذا يعتمد على المعرفة والصداقة مع الزبائن».

وقال الحاج الزعبي ان عمان في الخمسينات كانت تتكون من خمسة شوارع رئيسية، هي شارع الملك طلال، وشارع الملك فيصل، وشارع الهاشمي، وشارع السلط، وشارع وادي السير، ومن هذه الشوارع امتدت عمان الى مختلف الاتجاهات وتوسعت.

يذكر ان عدد الفنادق كان لا يتجاوز الخمسة في تلك الفترة وهي «حمدان» و«السعادة» و«فلسطين» و«الملك غازي» و«الكمال».

ولم تغفل ذاكرته حتى عن مقهى المنشية الذي كان بدون سقف، مستذكرا ايضا اول دار للسينما في عمان وهي «البترا»، تلتها سينما «الأمراء». وقال ان من اول المطاعم التي اقيمت في عمان آنذاك كانت مطاعم «عزيزية» و«هاشم» و«الكجك»، ومن الملاحم القديمة ملحمة سكرية.

ما زال «فندق الملك غازي» يحتفظ بنمطه المعماري القديم وأثاثه التراثي بالنسق العربي، وخاصة باحته التي تتوسط المبنى، وتعلوها منارة زجاجية تضيء مكان الجلسة العربية التي يفضل زبائن الفندق من القادمين من مناطق البادية والريف الأردني الجلوس فيها.

وفي هذا المكان الذي يحتفظ بأصالته القديمة يجلس مدير الفندق حسين محمد مفلح الزعبي، 38 عاما، احد ابناء الحاج محمد الزعبي، الذي اشار الى ان موقع الفندق وسط السوق ونمط البناء القديم على الطراز الشامي المفتوح السقف للصالات والباحات المفروشة بجلساتها العربية ما زالا يجذبان الزبائن للفندق. وقال ان هناك سياحا أجانب وعربا يفضلون الإقامة في الفنادق القديمة لقربها من نبض الحياة الشعبية في وسط مدينة عمان.

واوضح حسين الزعبي أن أمانة عمان تعكف حاليا على تنفيذ مشروع «تعتيق وسط مدينة عمان»، مشيرا الى قيامها بترميم الواجهات الحجرية للبيوت والمحلات التجارية القديمة وتبييضها وإزالة «الآرمات» (اليافطات) التجارية والاستعاضة عنها بأخرى إما من الحجر أو الخشب على نمط واحد لجميع المحلات لتنسجم مع الوان تعتيق المدينة التي حددت بألوان الطيني والمشمشي والفوشي.

وبين ان هذا المشروع سيعيد الى عمان القديمة روحها وألقها لتصبح منطقة سياحية أثرية تنسجم مع الإرث التاريخي للمدينة ومبانيها القديمة التي يعود بعضها الى اكثر من مائة عام، إضافة للأبنية الأثرية التي تعود لمختلف العصور والحضارات التي تعاقبت على مدينة عمان.

.عن جريدة لشرق الأوسط

وكتبت نوال العلي في جريدة الأخبار بعدد السبت ١٨ آب ٢٠٠٧

الاستثمارات تطمر تاريخ عمّان الحديث… فندق الملك غازي للبيع


لن يكون لفندق الملك غازي وجود على الأرجح مع حلول عام 2010، حيث سيباع البناء الذي يعود لعشرينات القرن الماضي لأحد المستثمرين، وقد تضاربت المعلومات حول المبلغ الذي سيدفعه، فقال البعض إنه مئات آلاف الدولارات، وقال آخرون إنه 12 مليون دينار (أي نحو 15 مليون دولار)!
المبلغ الذي عرضه المستثمر ــــــ الذي لم يُعلن اسمه ـــــ لم ترفضه عائلة علي الكردي مالك المبنى الذي يقوم فيه الفندق، وربما اعتبرته أثمن من «كليشيهات» الحفاظ على التراث والتاريخ. وسيقوم المستثمر بهدم الفندق وإقامة بناء حديث مكانه.
وستكون حال الفندق، الذي استأجره محمد الزعبي عام 1950 ليحوله من بناء سكني إلى فندق، كحال مقهى «وادي النيل» الذي جاء ذكره كثيراً في رواية «سلطانة» لغالب هلسا، حيث كان الكلام عليه كثيراً، ولم يعد أحد يذكره.
عملية بيع الفندق والنية المعلنة لهدمه، تثير الانتباه، فيما أمانة عمّان الكبرى أطلقت مشروعاً بعنوان «تعتيق وسط المدينة» الذي يتجسد في طلي الجدران بألوان طينية وتبديل اللافتات الحديثة بلوحات خشبية أو حجرية. بيد أن الأمانة نفسها لم ولن توقف هدم بناء عتيق أصلاً، وإن كان العتيق في مدينة كعمّان حديثاً إذا ما قيس بتاريخ المدن العريقة.
في العشرينات من القرن الماضي، لم تكن حدود عمّان تتجاوز منطقة سقف السيل ووسط البلد، حيث انتشرت العائلات الشركسية والدمشقية. ولذا بُنيت البيوت العمانية على الطراز الشامي. هكذا أُسس مبنى أوتيل الملك غازي، في شارع السعادة المتفرع من شارع الملك طلال، بشرفاته الهلالية و«العقدة القديمة» والباحة الداخلية والمناور العالية والملتفة.
كانت للفندق شهرة واسعة، إلاّ أن المرء يحتاج الآن إلى بذل جهد كبير للعثور عليه، وذلك نظراً إلى بوابته البائسة والقديمة ولافتته المتهالكة، إضافة إلى أن الفندق صار يقع فوق عدد كبير من محال الملابس والأحذية.
كان الفندق واحداً من الأماكن القليلة في عمّان، حيث يمكن الغرباء والعابرين وأصحاب الحاجات في الدوائر الرسمية أن يقيموا فيها.
وكان واحداً من خمسة فنادق أخرى في المدينة وهي: «السعادة» و«الكمال» و«فلسطين» و«حمدان»، وكان للفندق الأخير مقهى يحمل الاسم نفسه، وفيه عقد أول مؤتمر وطني أردني عام ضم العديد من السياسيين والحزبيين، لكن فندق «حمدان» هُدم قبل أعوام قليلة وأُقيم مكانه مقهى حديث لخدمات الإنترنت.
وإلى فندق «الملك غازي» كان يحضر قائد الجيش الأردني السابق غلوب باشا ومعه رجالات من البادية ليقضوا معظم أوقاتهم.
في النصف الأول من القرن العشرين، كانت كلفة الليلة الواحدة في فندق «الملك غازي» خمسة قروش، ولم يكن جميع النزلاء قادرين على دفعها مرة واحدة، لذلك اضطر الشيخ الزعبي إلى استرداد الكلفة بالتقسيط، أو تقييدها ديوناً على أصحابها تُسدد في مواسم الزراعة أو التجارة الرائجة، بحسب حسين الزعبي ابن مؤسس الفندق، حيث كانت العلاقات الإنسانية تحكمها المعرفة والصداقات والثقة.
الآن يغصّ الفندق بالعمال الوافدين من مصر وسوريا وببعض السياح الذين يفضلون الإقامة في الفنادق الرخيصة والقريبة من المناطق الشعبية، إذ لا تتجاوز كلفة الليلة الآن خمسة دنانير (6 دولارات).
ما زال الأوتيل محافظاً على تقسيماته الداخلية، وما زال يحتفظ ببعض الأثاث القديم، ويفرد مساحات للجلسات العربية، وما زالت نباتات الزينة الداخلية بأسمائها الشعبية، كالشمعة، وورق الليمون، وقلب عبد الوهاب، تعربش على الجدران وتحتفظ بذكريات العابرين.
هناك يمكن المرء أن يحس بحركة المدينة الشعبية، يحس بها عند استيقاظ العمال المغادرين الفندق في رحلة ركض يومية خلف لقمة العيش، فيما يظل المكان «يتمطّى» ببطء ولا يتغير كثيراً.
هكذا هي الحال في العاصمة الأردنية، تختصرها «صفقة» بيع الفندق الشهير، حيث غدت علاقة الناس بالمكان فاترة وقابلة للهدم والتفكيك باستمرار، فربما يرتبط ذلك بالثقافة البدوية القائمة على الرحيل والبعد الدائم. وقد يكون مرتبطاً بالهجرات المتلاحقة التي توالت على المدينة والتي حرمتها أن يكون لها عشاق يمكثون فيها ويرتبطون بأماكن إقامتهم.


«بيت خرفان» تحفة معمارية تحكي تاريخ عمان


 

 

. باسمة الزيود

لكل شارع حكاية ترويها ازقته ومداخله وبيوته العتيقة فشارع خرفان احد شوارع عمان العتيقة شاهد على اصالة المكان وتراثنا القديم وبيوته قديمة متلاصقة.
ومثل كثير من البيوت القديمة التي بنيت في بداية تشكل مدينة عمان يتميز بيت الراحل فريد رشيد خرفان من مواليد نابلس في العام 1900 الواقع في حي خرفان بجبل عمان بطرازه المعماري الكلاسيكي.
ويعد البيت الذي بني منذ زهاء ثمانين عاماً من اوائل البيوت التي بنيت من الحجر كون البيوت في تلك الحقبة كانت تبنى  من الطين والتبن.
وتروي احدى بنات الراحل سلام خرفان ان والداها جلب عمالاً من منطقة نابلس في العام 1927 لاتمام بناء البيت.
ويقع البيت الذي تحيط به الادراج القديمة من جانبه والتي يصل امتداد واحد منها شارع مانغو في شارع خرفان الذي سمي نسبة الى الجبل الذي اشتراه فريد خرفان هو واخوانه.
وتقول ابنته سلام ان والدها قدم الى عمان من السلط هرباً من الجيش العثماني الذي كان يأخذ الشباب الى التجنيد اجبارياً انذاك.
ويمتد جبل خرفان الذي تقلص واصبح شارع خرفان بحسب سلام من بداية موقع مدرسة السبتية وحتى مبنى اللاسكي القديم مخفر جبل الحسين سابقاً.
ويظهر من زيارة الموقع بان البيت وبالرغم من قدمه لم تجر عليه سوى تعديلات بسيطة على الباب الرئيسي الذي كان مصنوعاً من الخشب وابدلوه بواحد من الحديد لغايات الأمان والحماية.
ولعل ابرز ما يميز هذا البيت ابواب الغرف الخشبية التي ترك عليها الزمن بصماته والنوافد العتيقة التي تطل على قصص وحكايات عديدة لمن سكنوا و عايشوا المكان.
ان اول من سكن هذه الدار العتيقة الراحل فريد رشيد خرفان الذي بنى البيت لكنه لم يمكث فيه طويلاً ثم انتقل الى العيش في هذا البيت الامير شاكر بن زيد.
وتشير ابنته رباب الى ان محمد الهادي خليفة واخاه عبد الرحمن خليفة وهو من الاعيان السابقين سكنا هذا البيت مدة معينة هذا اضافة الى جريس حدادين وهو وزير عدل سابق ومنذ ان تحط قدما الزائر على ارض البيت تطالعه البوابات الخشبية القديمة ذات التكونيات المميزة من حفر وتزويق وانحناءات وتجويفات والتي تمنح جماليات خاصة للبناء والمكان. واكثر ما يلفت النظر السقف المرتفع الذي يشتمل طولية على طول السقف وهو الاسلوب الذي كان متبعاً في البناء القديم لتثبيت البيت. اما الجدارن ذات الاسطح الخشبية فهي لا تصلح لدق مسمار فيها لان اساسياتها من الطين كما يقول حفيد الراحل خرفان معتز انور الذي يسكن حالياً في البيت هو ووالدته.
ويقول معتز ان الطين اضفى على البيت ميزة الدفء في الشتاء والبرودة في الصيف ويلفت الى انه في ايام البرد القارس يكتفون فقط باستخدام مدفأة واحدة بالرغم من مساحة البيت الواسعة. وتبلغ مساحة الدار العتيقة 395 مترا مربعاً تقريبا ويتكون من خمس غرف اما السقوف فهي عالية جداً ويبين معتز ان ارتفاع السقف  يصل الى حوالي خمسة امتار.
واكثر ما يشد الزائر في الصالونات الواسعة البلاط القديم الذي لم يتغير منذ ثمانين عاماً وما يزال على حاله تزينه الزخرفات المختلفة التي تحمل اللونين الرمادي والاسود.
وبالرغم من كثرة المترددين عليه من اجل الشراء من قبل المهتمين بالبيوت القديمة فان معتز وبقية اقربائه يتعمدون طلب سعر غال جداً في البيت  من اجل عدم بيعه ويقول انه ببساطة بيت العائلة القديم الذي يختزن الذكريات ويلم شملها.
الا ان سلام ورباب خرفان لا يمانعا ن من قدوم الطلاب والطالبات والمهتمين بعلم الاثار الى البيت ومشاهدة وعمل الدراسات لدعم ابحاثهم.
وما يزال رغم  قدمه ينبض بالحياة جدرانه شاهد عيان تتحدث عن زمن مضى بات طي النسيان واضحى جزءاً من التراث يستقطب طلاب الجامعات والناس المهتمين برؤيته عن كثب لمعرفة تفاصيله

.

100 عام على بلدية عمان

وسط البلد في نهاية الستينات

عرفت عمان منذ اكثر من (100) عام كمجموعة من المباني والمكاتب والمحلات التجارية التي تشكل كتلة واحدة معاً، حيث تبدو عن بعد مثل جزيرة وسط بحر من الشوارع وهي: شارع فيصل وشارع الرضا وشارع السعادة وشارع الهاشمي.. وفي هذه الجزيرة الضخمة كان يقع مبنى (بلدية عمان) والذي اسسه العثمانيون في العام 1909.

ان الشخص الواقف في شارع الملك فيصل اذا ما نظر باتجاه الشرق نحو جبل الجوفة مثلا فلا بد لنظره ان يصطدم بهذه الجزيرة وبالذات رأسها حيث ان مبنى بلدية عمان يمثل رأس هذه الجزيرة التي تشبه حبة الاجاص مثلاً.. ولكن هذا الرأس او الواجهة التي تواجه شارع فيصل تغيرت عدة مرات منذ نحو (100) عام حيث تقلصت هذه الجزيرة قليلا من اجل توسيع شارعي السعادة والرضا.. لكن الكان وروح عمان وقلب عمان عبر بلديتهما ظل كل هذا في الحيز وفي الفراغ او الفضاء نفسه.

كان مبنى بلدية عمان يطل على شارع فيصل وبالذات الشرفة الرئيسية الواسعة حيث كان سمو الامير عبدالله الاول يقف عليها مخاطبا الجماهير في الاحتفالات.. وكذلك الوزراء والشعراء والمسؤولين الكبار حيث كانت شرفة البلدية اهم مكان حكومي في ذلك الوقت.. وقد شيدت بناية بلدية عمان على مراحل وسنوات حيث اضيفت لها عدة طوابق وشرفات حتى تم هدم هذا المبنى والجزيرة كلها واعيد بناؤها أي (الجزيرة) من جديد وذهبت البلدية الى مبناها الجديد قرب المدرج الروماني عند جسر العسبلي آنذاك.

وحول نشوء بلدية عمان والتي يتم الاحتفال هذه الايام (بمؤية بلدية عمان) عدنا الى كتاب المؤرخ الاردني المرحوم سليمان الموسى (عمان عاصمة الاردن) حيث جاء فيه: بدأت الحياة تدب في عمان سنة 1878 عندما نزلت فيها اول مجموعة من مهاجري الشركس.. وتتابعت بعد ذلك موجات المهاجرين، وازداد عدد سكان عمان تدريجياً لكنها ظلت قرية صغيرة الى ان كان عام 1903 عندما وصل خط سكة حديد الحجاز اليها ، وكان ذلك نقطة تحول خطيرة في تاريخ عمان، اذ اخذ يزداد عدد سكانها بمن يأتي للاقامة فيها من القرى المجاورة ومن مدن بعيدة نسبياً مثل دمشق ونابلس والقدس ويافا.. وفي عام 1909 قررت الحكومة العثمانية تنظيم البلدة الناشئة فأسست فيها مجلس بلدية بموجب قانون الولايات العثمانية.

وعندما اشتركت الدولة العثمانية في الحرب العالمية الاولى ازدادت الحركة في عمان بسبب وجود خط سكة الحديد، وتبعا لذلك ازداد عدد سكان بلدة عمان وازدادت الحركة التجارية فيها. وعندما انسحب العثمانيون من سوريا كلها عام 1918 بقيت عمان مديرية ناحية، وبعد معركة ميسلون لجأ الى عمان عدد من الاحرار السوريين، ثم اصبحت مركز حركة وطنية بزعامة رئيس بلديتها حينذاك المرحوم سعيد خير 1920 ؟ 1925.

ثم كان وصول الامير عبدالله بن الحسين الى عمان 2 آذار 1921 نقطة تحول حاسمة في تاريخ عمان الحديث.. اذ اختارها عاصمة للامارة الاردنية من منطلقات ثلاث وهي: (1) موقعها المتوسط في البلاد (2) وفرة المياه فيها (3) اتصالها بخط سكة الحديد.

ومنذ ذلك الحين والتقدم في عمان مستمر والعمران متصل، حتى تطورت من قرية صغيرة الى مدينة كبيرة عامرة تضاهي احدث المدن وارقاها.

ففي البداية كانت عمان القرية الصغيرة ثم البلدة الصغيرة آخذة بالنمو والاتساع فقد انتشرت المباني والعمارات هنا وهناك على سفوح الجبال.. وازدحمت الرقعة الضيقة الواقعة بين التلال بابنية السكن والتجارة دون التقيد بخطة تنظيم شاملة.. فلم تلبث عمان ان غدت كغيرها من المدن الشرقية التقليدية.. بشوارعها الضيقة وازقتها الملتوية..

ويروى ان الملك عبدالله الاول كثيرا ما وجه النصح للمسؤولين كي يعملوا على وضع مخطط حديث للمدينة يساير التطورات ويرتفع بعمان الى مستوى المدينة – العاصمة من حيث انشاء ساحات عامة واسعة وحدائق وشوارع عريضة مستقيمة الى غير ذلك .. لكن ضآلة المخصصات المالية كانت تحول دون ذلك.

وفي العام 1928 قررت الحكومة اعتبار قضاء عمان بمثابة محافظة عاصمة تخابر رئاسة النظار مباشرة، دون الرجوع الى متصرف لواء البلقاء ولكن هذا الترتيب استمر الى سنة 1930 فقط عندما اعيد ارتباط قضاء عمان بمركز اللواء ولكن تبدلاً آخر طرأ على الوضا اذ نقل مركز لواء البلقاء في 12/7/1933 الى عمان واصبحت السلط قضاء تابعاً له وفي عام 1939 اعيد مركز اللواء الى السلط واحدثت محافظة عاصمة بعمان مرتبطة بوزارة الداخلية.

وفي منتصف عام 1933 اتخذت اراضي المدينة الواقعة ضمن حدود البلدية الصفة التنظيمية، عندما صدرت ارادة سنية بالموافقة على قرار المجلس التنفيذي بمنحها هذه الصفة.

وجاء في هذا المرجع عن عمان هذا التوضيح : واذا شئنا ان نلقي نظرة على عمان في بداية عهدها قلنا ان منطقة السيل حيث المياه والينابيع كانت اول منطقة سكنية فيها ، وكانت ضفتا السيل تغصان بالاشجار التي لم تلبث الايدي حتى اخذت تقطعها وتقتلعها بالتدريج بسبب امتداد العمران ولحاجات الوقود وانشاء الاسيجة .. ان اول شارع منظم كان شارع السعادة الذي يقع الان في مواجهة الجامع الحسيني تقريبا.. وكان عرضه لم يكن يزيد على خمسة امتار، بينما عرضه الان (15) مترا.

ولم تكن في عمان سيارات في بادئ الامر.. بل لم تكن في البلاد كلها سيارات.. ولذلك كان الناس يستعملون الدواب للانتقال من بلدة الى اخرى، وظل السفر بين عمان والقدس يتم بواسطة الدواب او العربات التي تجرها البغال والخيول حتى تأسيس الامارة عام 1921.

وفي العام 1925 اقرت الحكومة قانونا جديدا للبلديات نشر في جريدة الشرق العربي انذاك وقد نص على تحديد وظائف البلديات تحت العناوين الثلاثة التالية: اولاً: الاعمال العمرانية: وتشمل وضع مخطط للبلدة من اجل توسيع الشوارع وتعبيدها ورصفها، وتعيين شكل المباني الواقعة على الشوارع مع تحديد مواد انشائها على مقتضى ما يتطلبه الفن والذوق، هذا بالاضافة الى إحداث المناهل وتأسيس المذابح والاسواق العامة، وانشاء الدورات الصحية والمجاري للسيول والمياه المستعملة، والمتنزهات والساحات وتزيينها وتزيين الشوارع بغرس الاشجار كذلك تشكيل فئة اطفاء وانارة المدينة.

ثانياً: الاعمال الصحية: وتشمل تنظيف الطرق وجمع النفايات وحرقها وتنظيف المناهل وتأمين وجود النظافة في المذابح (المسالخ) والاسواق والمقاهي والمتنزهات ومنع اصحاب الافران ومحلات الحلويات والمطاعم من بيع المأكولات والمشروبات المغشوشة واتلاف الخضار والفواكه المتعفنة وتخصيص مقابر لدفن الموتى.

ثالثاً: الحاجات المدنية: وتشمل تحديد اجور الحوافل والسيارات والمركبات والحيوانات، وتوحيد الاوزان والمكاييل، وانشاء مستشفيات للمرضى والمجانين مع ما يلزمها من الصيدليات، ودور اللمقعدين من العجزة واللقطاء. وايضا مستشفى للحيوانات ومعالجة الفقراء والتكفل بدفن موتاهم مجانا ومنع الاحتكار في بيع السلع.

ونص القانون ايضا على ان يتألف المجلس البلدي في العاصمة عمان من رئيس وسبعة اعضاء ، ينتخبهم الاهلون ، ويقومون هم بانتخاب للرئيس من بينهم.. اما رئيس البلدية فيعينه رئيس النظام (رئيس الوزراء) ولا يشترط ان يكون من اعضاء المجلس البلدي، وتكون مدة المجلس اربع سنوات وقد استمر العمل بهذا القانون حتى صدور قانون البلديات المعدل في 1 شباط عام 1938.

وكان ان تقدم رئيس بلدية العاصمة في 7 تشرين الثاني عام 1931 بطلب الى رئيس الوزراء بشأن ارتباط البلدية مباشرة برئاسة الوزراء التي كانت تتولى امور الداخلية. وفي 6 كانون الثاني وافق المجلس التنفيذي على ذلك. واستمر ارتباط بلدية العاصمة عمان مباشرة برئاسة الوزراء حتى (20) آب عام 1933 عندما قرر رئيس الوزراء ان يكون وضع بلدية عمان مثل وضع باقي البلديات في امارة شرقي الاردن ، وان ترتبط بمحافظة العاصمة . هذا من المشهور ان اول رئيس لبلدية عمان أي بمثابة (امين العاصمة ) كان السيد (اسماعيل بابوق) في عهد الحكومة العثمانية.

(الرأي)

ذكريات الوطن من الشراكسة الى عمان

الشركس او الجركس شعب صاحب تاريخ عريق هاجر اغلب هذا الشعب من منطقة القوقاز والبحر الاسود قديما الى مناطق الدولة العثمانية سابقا مثل تركيا وسوريا والاردن.. وقد اعتنق الشركس الاسلام في القرن (17).
وقد وصل الشركس الى عمان والاردن على عدة هجرات اولها كان منذ (130) عاما أي في عام 1878 حيث وصل الفوج الاول منهم الى عمان عن طريق دمشق.. حيث كانت عمان خالية من السكان طوال الفترة من اواخر القرن (14) وحتى اواخر القرن (19) -الا انها كانت موئلا لعدد من العشائر الاردنية- وبقيت عمان على هذا الحال حتى بدأت الهجرات الشركسية اليها حيث ادى قدوم الشراكسة الى عمان الى احداث تغيرات جذرية فيها.. حيث شهدت عمان نشاطا محلوظا في الحركة العمرانية والتجارية والثقافية والعلمية وغيرها من المجالات.
وكان الفوج الاول منهم هم من قبيلة الشابسوغ الشركسية والتي ما زال حي او شارع يُعرف باسمهم في اسفل جبل القلعة من الجهة الجنوبية القريبة جدا من شارع الملك فيصل وشارع الهاشمي.
ونقلا عن كتاب عمان عاصمة الاردن من تحرير المؤرخ سليمان الموسى اذ يقول: وقد تتابع وصول عائلات من قبائل اخرى هي: القبرطاي، الابزاخ، البزادوغ، وذلك بعد نحو عشرة اعوام تقريبا.. وكان وصول هؤلاء عن طريق حلب ودمشق برا، او عن طريق بيروت وحيفا ويافا برا.
هذا ولم تكن عمان مأهولة يومذاك، فاتخذ المهاجرون الشراكسة منازلهم من اروقة ومباني المدرج الروماني وفي القلعة والكهوف القريبة من جدول الماء وسبيل الحوريات.. وكان جدول الماء او النهر الصغير سيل عمان تنبع مياهه من الموقع المعروف الان باسم (رأس العين) ويجري شرقا في الوادي باتجاه الزرقاء، بينما تحيط بضفتي الجدول غابة كثيفة من الاشجار التي كانت تعيش فيها الحيوانات والوحوش المفترسة.
وفي العام 1892 وصل فوج آخر من المهاجرين الشراكسة واقاموا في الحي الذي يعرف منذ ذلك الحين باسمهم (حي المهاجرين) ولكنهم عند وصولهم نزلوا لفترة في الخيام والاكشاك في المنطقة القريبة من راس العين. ولم يكن اؤلئك المهاجرون يحملون معهم الا القليل من الامتعة والادوات بالاضافة الى اسلحتهم الشخصية من سيوف وخناجر، ثم اخذوا يفكرون بتنظيم حياتهم فبدأوا بزراعة قطع صغيرة من الارض بمحاريث من الخشب صنعوها بايديهم. كما اخذوا يصنعون ادوات الحصاد والدرس كلها من الخشب بواسطة الادوات البسيطة التي جلبوها معهم.
وفي تلك الفترة بالذات عملت الحكومة العثمانية على توطين مهاجرين شراكسة اخرين في اماكن تتوافر فيها المياه مثل: صويلح، وادي السير، ناعور، الرصيفة، جرش، الزرقاء (ومعظم الذين نزلوا في الزرقاء هم من الشيشان) وكانت عمان في موقع متوسط بين هذه المستوطنات.
وكان مجيء الشراكسة الى بلاد الشام في عهد السلطان (عبدالحميد الثاني) الذي رحب بهم، فانزلتهم الحكومة العثمانية في اماكن تتوافر فيها المياه.. وقد قيل ان القصد من توطينهم في الاردن هي لرغبة العثمانيين في ان يؤلفوا حاجزا مواليا لهم تجاه القبائل البدوية، وان يعملوا على حماية طريق الحج الشامي حيث برهنوا بالفعل على ولائهم للدولة العثمانية. وعندما وصل الشراكسة جاءوا ومعهم عرباتهم المصنوعة من اعواد الخشب ومن القصب، والتي كان بعضها ذا عجلتين تجرها الابقار، وبعضها بأربع عجلت تجرها الخيول. وكانت تلك العربات منظرا غريبا على البلاد في تلك الفترة اذ كان الناس آنذاك يحملون امتعتهم ومؤنهم على ظهور الدواب.
ويُضيف المرحوم سليمان الموسى متابعا عند الشركس: ان الحكومة عملت على تجنيد اكثرهم في صفوف الدرك والفرسان بسبب قابليتهم الحربية وولائهم، وقد كُلف (ميرزا باشا) بتأليف قوة الفرسان الشركس للمحافظة على خط السكة من عمان الى تبوك. وقد ساعدت هذه القوة على صد الاعتداءات عن القرى التي يقيم فيها الشراكسة وساعدت على جباية الضرائب للدولة.. كما ان القوة نفسها وقوامها (300) من الفرسان اشتركت في اخماد ثورة الكرك عام (1910) وفي الحرب ضد الانجليز عام 1918، وقتل عدد منهم في الدفاع عن عمان عند ذلك.
وفي بادئ الامر وقعت مناوشات بين الشراكسة وعشائر البدو المحيطة بهم.. وكانت تلك المناوشات تزداد حدة في موسمي الحصاد والبيادر، ثم اخذ الشراكسة يزرعون اراضي كان اهل السلط يزرعونها قبلهم.. وفي اشتباك بين الشراكسة وبعض عشائر البلقاء سقط عدد من القتلى والجرحى.. لكن لم يلبث التفاهم ان حل بينهم بين قبيلة بني صخر وانتهت الخلافات وحل محلها الصلح والوئام.
وانصرف الشركس الى زراعة الارض بالحبوب كما اخذوا يزرعون الاشجار المثمرة والخضروات الصيفية والشتوية على جانبي سيل عمان كما بدأوا باقتناء البقر والخيول والاغنام والدجاج.
كما انهم بدأوا يمارسون بعض الصناعات اليدوية كالحدادة والتجارة والصياغة وصناعة الجلود واقشطة الطواحين المائية تلك الطواحين التي اصبح في عمان ثلاثة منها.. كما اخذوا يصنعون بعض الادوات الزراعية البسيطة ويبيعونها بل ان بعضهم اخذ يعمل في التجارة.
وبعد ان اقام المهاجرون الجدد فترة من الزمن في اروقة المدرج الروماني في عمان اخذوا ينشئون منازل لهم قرب سيل الماء وبعضا من الآجر المصنوع من الطين والقش، وبعضها الاخر من الحجر، اما السقوف فكانت تتألف من فروع الاشجار واعواد القصب التي كانت تنمو بكثرة في منطقة وادي السير وفوقها طبقة من الطين الممزوج بالقش، اما الماء فكانوا ينقلونه بجرار الفخار من الينابيع العديدة، وفيما بعد اخذ سقاؤون يحملونه على اكتافهم الى المنازل، اما الاضاءة فبواسطة الفوانيس المملوءة بزيت الزيتون، بينما يتم الطبخ على نار اعواد الشجر وفي افران من الفخار (الطابون).
وهكذا اخذت مدينة او قرية عمان تنتشر تدريجيا على جانبي السيل حتى امتدت على مسافة كيلو متر تقريبا ابتداء من اواخر القرن التاسع عشر بل بقي بعضها قائما عدة سنوات حتى منتصف القرن العشرين. وفي بادئ الامر واجه الشراكسة بعض المصاعب مع سكان البلاد الاصليين من البدو، وتعود اسباب ذلك الى الخلاف في العادات والتقاليد والى اللغة، ثم التنافس على مصادر الماء والاراضي الرعوية وكان هناك الاختلاف ايضا في الملابس: اذ كان رجال الشراكسة يرتدون صدرية خارجية ذات ياقة عالية وثوبا يحيط به حزام من لرصاص البنادق وحذاء عاليا ويضعون القلبق (قبعة شركسية) فوق رؤوسهم. اما سلاحهم فالخنجر الطويل والبندقية والكرباج.
وهذا الطراز من اللباس ما يزال يستعمله جنود الحرس الملكي الذي انشأه المغفور له الملك عبدالله الاول.
وكانت النساء يرتدين الثوب الفضفاض الطويل وطاقية صغيرة، ولكنهن لم يكن يستعملن الخمار لتغطية الوجه.
ولم يكن في عمان يومذاك قوة من رجال الامن، وكان اقرب مركز من مراكز الحكومة في مدينة السلط!! ولم تكن هناك خطوط هاتف!! وهكذا بقي طابع القرية الشركسية غالبا على عمان حتى الحرب العالمية الاولى، بل حتى تأسيس الاماراة الاردنية، واتخاذها عاصمة لها عام 1921.

.جريدة الرأي

أدراج عمان.. سيرة الحجر والشجر وحكايات البشر

. محمد ابو عريضة

لعمان مني اطيب تحية, لاهلها ومبانيها وشوارعها وازقتها وادراجها السلام, فعمان التي غادرتها مطلع سبعينيات القرن الماضي, وانا لم ازل يافعا, ظلت تسكن داخل احشائي, فهي لم تتخل عني يوما قط, لم تغادرني وتعود الى ذاتها, لم تشتك يوما من التعب او المرض او الجوع, مع انني كنت أُتعبها احيانا, وانساها من دون غذاء مرات, واتركها تكابد المرض من دون ان اشتري لها الدواء, ومع انني غادرتها الى غيبة طويلة, مهاجرا الى الولايات المتحدة الامريكية, بعدما اصطدمت امانِيّ بواقع الحال آنذاك, وغرفت في المهجر من مباهج الحياة ما شاء لي ان اغرف, ورأيت من ابداعات الكون اجملها, وعرفت من اسرار الطبيعة والانسان اكثرها تعقيدا, الا ان عمان تظل قمة المنتهى, وسيدة  الدنيا بلا منازع.

يكمل ابن عمان البار كلامه في مخطوط عن  حياته بين عمان والمهجر, واصفا حياته في عمان قبل ان يهاجر, يذوب كما يقول في التفاصيل يعود اليها مسرعا خفيف الخطوة, وكأنه تخلص من اشياء التصقت به في الطريق, او اشيائه التي حملها معه في الايام الطوال, يعود الى درج البحتري الذي شهد ولادته ويفاعته, وشبابه الاول, وعشقه الاول, يعود خفيفا كما أنجبته امه, كالعائدين من الحج المسيحي او الاسلامي من دون دنس الدنيا, ومن دون ذنوب اقترفوها.

يقول ابن عمان المهاجر عثمان كانت الحياة على درج البحتري – يقع في جبل عمان بمحاذاة حي المصاروة – بسيطة وبريئة في ذات الوقت, فلم يكن يلوثها عصر السرعة  الامريكي, كان سكان الدرج يفيقون باكرا بتؤدة وترو, يصلون الى اعمالهم من دون ان يطاردهم كرباج القسط والفاتورة, ورغم رتابة الحياة وخلوها من مشكلات عظيمة تحرك الدماء الحارة, كانت الحياة ببساطة تترى – من التواتر والتراخي – لا يفصل الجار عن جاره سوى الاختلاف في الاسماء, ولكن المشكلات الصغيرة التي كانت تطرأ احيانا ظلت هي ملح الحياة, فعبرها كان اهل الدرج يعرفون مقدار محبة بعضهم بعضا.

أغان على الدرج

يستمر عثمان في سرد سيرة اسرته, وسير الاسر الاخرى من الجيران في اسلوب جميل.

يطيل الشرح عن المناسبات التي يتذكرها, فيتحدث عن حفل عرس شقيقته سمية, يسهب في التفاصيل, خاصة غناء ام محمد, فأم محمد الجارة الجميلة كانت تغني في كل المناسبات, فهي تحفظ الاهازيج والتراويد لكل مناسبة على حدة, ففي حفل عرس سمية وغنّت عندما رأته:

أهويه هويه

عثمان لو وقف زَيّن بني عمه

ذباح روس الغنم لا عاش مَنْ ذمه

يا ريت مَنْ بغضته تعدم اهاليها

وتشعلب النار جوه علاليها.

ويتابع وعندما نجحت في التوجيهية جاءت ام محمد مسرعة تحمل على رأسها وعاء دائريا مسطحا مصنوعا من القش الملون, مليئا بكمية كبيرة من الحامض حلو ومن ملبس قظامة, وما ان فتح شقيقي لها باب الحوش حتى اطلقت للسانها العنان بالزغاريد, وغنّت:

يا ها الطالب مرْ في ايده جريده

عثمان ناجح وهنته الكتيبة

حُطَّوا بريزه ع بريزه

يا عثمان ناجح في الانجليزي.

وغنّت في مناسبة اخرى لابن الجيران الصغير اسامة, ابن الشهور الثلاثة – اصبح الآن في الاربعين – بمناسبة ختانه, فقد اسرعت الى بيت الجيران كعهدها دائما, واخذت تزغرد وتغني:

طَهْرُه يا مْطَهِّر ناولو لامه

يا دمعة عين الولد بللت كمه

طهْرُه يا مْطَهِّر ناولو لابوه

يا دمعة عين الولد بللت ثوبه

طَهْرُه يا مْطَهِّر تحت ظل التين

يا دمعة الولد بللت المنديل

طَهْرُه يا مْطَهِّر تحت ظل الخوخ

يا دمعة الولد بللت الجوخ.

وغَنَّتْ لماّ اضاف الجار ابو علي غرفتين الى الحجرتين اللتين كانتا تأويان افراد اسرته الثلاثة عشر بعد ما تزوج ابنه البكر علي, فقالت

يا ابو علي ابني السور وعليّ السور ابني علالي ومن فوق العلالي قصور نظرك علينا وخلي اللي يقول يقول

ويوم صبّ ابو كريم عقدة – سقف المنزل – الطابق الثاني في منزله, غنت تقول:

الله يجيرك يا ابو كريم

ما حدا سوّى اللي سواه

باني جوز العلالي

والورد مفّتح في جواه

الله يجيرك يا ابو كريم

ما حدا عمل اللي عمله

باني جوز العلالي

والورد مفّتح في ظله

كتاب غينتس

من وحي ما جادت به قريحة عثمان ابن عمان, تعلقت انظار صديق وصلته نصوص عثمان, بدرجات احد ادراج حي المهاجرين الصاعد الى شارع خرفان, واخذ يسأل نفسه:

هل يمكن ان تكون لعمان صفة اخرى غير صفاتها الكثيرة, كأن يطلق عليها عمان مدينة الادراج?

ويستدرك متسائلا:

- هل يمكن إدْراج اسم عمان في كتاب غينتس بوصفها المدينة صاحبة اكثر عدد من الادراج والدرجات العامة في العالم?

ويتابع التفكير وهو يتجول بالقرب من احد ادراج شارع المصدار يحدث نفسه الا تحتفظ درجات الادراج بأنات الذين جلسوا عليها متوجعين او تعبين, ألا تخبئ ابتسامات فرحين جلسوا عليها متنادمين, الا تتذكر شجرة اللبلاب الصامدة هناك – يشير اليها – بكلمات قالها يوما لمحبوبته? اليس المكان كائن حي ينبض يفرح لفرح  الناس فيه, يتوجع لاوجاعهم, فلادراج عمان حكايا تستحق التوثيق, والا فانها تندثر وتموت.

الادراج التراثية

امانة عمان الكبرى بوصفها الجهة المعنية بعمان وادراجها وكل اشيائها, اخذت تبدي اهتماما اكبر بمفردات المدينة القديمة, والادراج مفردة مهمة في عمان القديمة, فعمان الحديثة من دون ادراج عامة, فهي ممتدة على مناطق سهلية, ومع ان الباحث المهندس محمد رفيع لا يرى ان عمان يمكن ان تكون مدينة الادراج, لان عمان الحديثة اتسعت لتصبح بمساحة تساوي عشرات اضعاف عمان القديمة, الا ان سمات المدينة القديمة, بوصفها تحمل مكونات بدايات المدينة, تبقى سمات اساسية للمكان, وفقا لرئيس قسم التراث العمراني بدائرة الدراسات والتصميم المهندس المعماري فراس الربضي.

يقول ان اهتمام الامانة بتراث عمان جزء اصيل من مهامها, فمن دون ماض للمكان لا يمكن رسم رؤية للمستقبل, لذا فان التركيز على وسط البلد يأتي في ذات السياق, ففي المناطق الجديدة التي انضمت للعاصمة عام ,1987 وعام 2007 تتواضع اعداد المعالم التراثية, فباستثناء بعض بيوت الشركس في ناعور وصويلح ووادي السير وعدد قليل من بيوت حسبان والجيزة ومرج الحمام والمقابلين والقويسمة, التي يمكن اعتبارها بيوتا تراثية, ويتم التعامل معها باشتراطات خاصة, فان ما يمكن اطلاق وصف تراثي عليه من معالم عمان يتركز وسط البلد, وفي سفوح الجبال التي تطل على الوادي.

تعتبر المعالم تراثية اذا ما كانت منشأة بعد عام 1750 واما قبل هذا التاريخ فتعتبر اثارا, وذلك وفقا للتشريعات الخاصة بالآثار, ووفقا لهذا المنطق حسب الربضي فان ادراج عمان كافة تعد تراثية, ولكن ما اصابها من اضرار بفعل عوامل الزمن والطبيعة والناس دفعت القائمين على امانة عمان في فترات سابقة الى ترميمها بطريقة طمست معالمها التراثية. فالادراج التراثية مبنية من الحجر والطين واما الترميم فقد استخدم  الباطون الاسمنت, فالاسمنت لم يكن مستخدما في السابق, فقد استخدمه الاردنيون اول مرة لبناء احد مآذن المسجد الحسيني في الفترة الواقعة بين عامي 1924 و .1927

لماذا الادراج?

يقول الربضي ان طبيعة عمان الطبوغرافية بوصفها محاطة بالجبال فرضت على سكانها بناء الادراج للوصول الى سفوح وقمم الجبال, وظل هذا الامر ركنا رئيسيا لسكان عمان في الحقب التاريخية كافة. فحسب المعلومات التاريخية ظل احد الادراج الرومانية يربط المدرج الروماني بجبل القلعة الى بداية القرن الماضي, ولكن للاسف وفقا للربضي ايضا فقد ازاله الاهالي, واما الادراج المعاصرة فقد كانت قليلة قبل ثلاثينيات القرن الماضي, فالامتداد العمراني ظل مقتصرا على الوادي واطرافه القريبة, ولكن مع اختراع المضخات ووصول بعضها الى عمان وبدء سلطة المياه – باسمها آنذاك – ضخ المياه الى المنازل, اخذ الاهالي يصعدون الجبال يبنون على سفوحها بيوتا حديثة يسكنون فيها.

عدد الادراج كبير ولا تمتلك اية جهة احصاء دقيقا لها او لعدد درجاتها, ويقول الربضي انه فوجئ بعدد الادراج الكبير, فقد تم احصاء 26 درجا تطل على الوادي من سفح جبل عمان من جهة طلوع الحايك, على سبيل المثال.

Comunity Plan

يقول الربضي انه في اطار المخطط الشمولي لعمان توجد خطة يطلق عليها Comunity Plan وتعني الدخول في تفاصيل التفاصيل, ومع ان الاهتمام منصب الآن على الادراج التراثية وهي كثيرة ولم تكتمل صورتها بعد, الا ان الادراج الاخرى ذات اهمية ايضا, فكما تحمل الادراج التراثية قصصا وحكايات فللاخرى ايضا اشياؤها, والادراج تتمركز في جبل عمان, واللويبدة, ورأس العين, والجوفة, والتاج, والنصر, والاشرفية, والحسين, والوحدات, والنظيف وحي نزال.

وتحدث الربضي عن اهمية تطوير الادراج للحفاظ على قيمتها التراثية وعلى نسيجها العمراني والاجتماعي وقد اطلقت الامانة مؤخرا نشاطا فنيا خاصا بالادراج عبر قسم السياحة والاستثمار الذي بدأ يحيي احتفالات على عدد من الادراج خلال فصل الصيف ولكن الاهم من كل ذلك استخدام مواد خاصة عند ترميم الادراج التراثية للابقاء على معالمها كما هي من دون اضافة مواد لم تكن مستخدمة عند بنائها.

قصص الادراج

لكل درج قصة, كرر الربضي هذه الجملة مرات ومرات لتأكيد المعنى المقصود ويقول ان قصص الادراج جزء من كينونتها, وهي قصص الناس الذين استخدموها او اولئك الذيم سكنوا الى جوارها.

من الادراج المشهورة

درج الكلحة

درج الكلحة الذي يربط وسط البلد من اول شارع الملك حسين – السلط – بجبل اللويبدة ظل يحمل اسماء مختلفة الى اربعينيات القرن الماضي والاعتقاد الراسخ لدى شريحة واسعة من العمانيين انه اكتسب اسمه الكلحة نسبة الى مطعم الكلحة الذي ظل يجاور آخر درجة من درجاته لغاية تسعينيات القرن الماضي ولكن هذا غير دقيق وفقا للربضي فالدرج اكتسب الاسم بعد ان سكنت اكثر من اسرة من عائلة الكلحة” في البيوت المنتشرة على جانبي الدرج, واصبح مختار الحي من نفس العائلة, فأخذ الناس يستخدمون اسم المختار الكلحة للإشارة الى المكان, ومع الوقت اصبح اسمه درج الكلحة.

درج الاستقلال والسينما الصيفية

هو الدرج الذي يقع في بداية شارع الامير محمد, مقابل البريد المركزي, واكتسب هذا الاسم لإن مكتبة الاستقلال – الفرع القديم – تجاور آخر درجاته, وهو من الادراج كثيرة الاستخدام, ويبدو انه اكتسب هذا الاسم بعد عام ,1946 اي بعد عام انتهاء الانتداب البريطاني على الاردن, ولكنه كان موجوداً قبل ذلك, وليس هناك توثيق يوضح الاسم الذي كان يحمله, ولكنه اكتسب شهرة واسعة في ثلاثينيات القرن الماضي وفقا للمعلومات المتواترة كما يقول الربضي, لأنه كان يقع مقابل دار لـ سينما صيفية مكشوفة اقيمت في المكان, وكان الفقراء من الذين كانوا يؤمون عمان من القرى والأرياف يستخدمون درجات درج الاستقلال لمشاهدة الافلام التي كانت دار السينما تعرضها من دون ان يدفعوا ثمنا لتذاكر دخول السينما.

درج منكو

درج منكو الذي يصل شارع بسمان بسوق منكو, وهذه السوق هي اول سوق تنشأ في عمان عام ,1926 وهو مبني من الحجر, ولم تطرأ عليه تغييرات جوهرية, ولانه يقع وسط السوق, فان قصصه مرتبطة بالتجارة والتجار فقط.

درج المحكمة الشرعية

درج المحكمة الشرعية هو الذي يصل شارع بسمان بالشارع العلوي الموازي له, ودرجات هدا الدرج تحتفظ بقصص وحكايات الاف العرسان ممن صعوده للوصول الى المحكمة الشرعية لعقد قرانهم, وهو درج تراثي.

درج حتر

لا زال درج حتر يحتفظ بقصة الاسرة من عائلة حتر, التي كانت تسكن عند آخر درجاته, ولكنها غادرت المكان منذ سنين طوال, ولكن الاسم ظل ملتصقا بالدرج, ويقع هذا الدرج بمحاذاة كنيسة دير اللاتين الواقعة في اول طلوع المصدار, وهو من الادراج التراثية الجميلة.

الخلاصة

ادراج عمان هي ببلوجرافيا الحجر الذي صنعت منه, والاشجار التي زرعت بجوارها, وحكايات البشر الذين سكنوا على ضفافها, فللادراج ضفاف كما للبحر والنهر, ولان الامر جد مهم, فان امانة عمان كما يؤكد الربضي لن تألو جهدا للمحافظة على تراث عمان في بيوتها وادراجها ومعالمها الاخرى, والـ Community plan سيحكي قصص الادراج كافة.

يعتقد البعض ان عمان مدينة الادراج, باعدادها واعداد درجاتها تتفرد في العالم, بوصفها اكثر مدينة فيها ادراج عامة بالمئات, ودرجات بعشرات آلالاف, فهل يمكن ان يضم كتاب غينتس يوما اسم عمان بوصفها مدينة الادراج?

ديوان الدوق يستعيد ملامح عمان القديمة

«ديوان الدوق» يستعيد ملامح عمان القديمة

تحويله بدأ بفكرة ترميم مبنى قديم هو في الأصل مبنى «فندق حيفا»

بصمت وجهد دؤوب استطاع ممدوح البشارات أن ينجح في تحويل مبنى لفندق عماني قديم في قلب العاصمة عمان الى معلم تراثي أطلق عليه اسم «ديوان الدوق»، وسط زحمة وجلبة منطقة تجارية، مما شكل اضافة ابداعية في المشهد الثقافي المحلي.وبهذا الصدد يشير البشارات الى الأسباب التي قادته الى هذا النوع من الاهتمام في البناء المعماري التراثي الاصيل، بقوله إن الفكرة التي اشتغل عليها كانت ترمي الى ترميم مبنى قديم هو في الأصل مبنى «فندق حيفا»، الكائن بوسط عمان، وتقديمه هدية الى المجتمع المحلي كمعلم حضاري في وسط المدينة، ولرغبة أيضا في استعادة نوع مختلف من الحياة اليومية التي كانت تعيشها عمان القديمة، ولرغبة أيضا في تعريف الجيل الحالي لأهالي العاصمة وزوارها بالنمط الذي سار عليه الأجداد ابان حقبة زمنية تعود الى بدايات القرن الماضي.

أول ما يطالع الزائر «ديوان الدوق» ذلك الدرج الحجري المفضي الى فضاءات المكان، الذي يفيض بأشكال ومواد تبدو للناظر في الوهلة الاولى بأنها بسيطة. ولكن عند إمعان النظر، فإن المرء يحتاج الى تركيز وعناية شديدين في اكتشاف ملامح التكوينات البصرية المستمدة من عناصر مجبولة من عبق التراث والهندسة المعمارية المعبرة عن ذائقة جمالية تنهل من المواد البسيطة في الحجر والخشب والخيوط، في تقاسيم إبداعية تشي بالرهافة والإحساس بمنزلة المكان، المكون من حجرات في مساحات متباينة بحيث يجري توظيف جدرانه العالية وسقفه في توزيع صور ولوحات وايقونات ووثائق مستمدة من أدبيات ودوريات قديمة، تسرد جوانب من حكايات أهالي عمان القديمة وحضورهم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

ويؤكد البشارات على ان «ديوان الدوق» يأتي ثمرة لعشقه الشخصي لمدينة عمان وشغفه الدائم بالأصالة والتراث القديم، وهو جزء من مشروع طويل يعمل عليه منذ سنوات طوال، بحيث جعل من المكان هدية منه الى اهالي عمان وضيوفها بعيدا عن مفهوم الربح والخسارة.

ويقول البشارات إنه رغبة منه في إشراك الجمعيات والهيئات والمؤسسات التي تعنى بتنمية المجتمع المحلي، وظف المكان ليكون معرضا لمنتوجاتهم التراثية او الفنية. ولذلك الغرض أقام الديوان سلسلة من المحاضرات والعروض للصور واللوحات، ونظم العديد من المسابقات الفنية التي تهتم بعمان وتاريخها، إضافة الى معرض لمنتجات سيدات عراق الأمير، وآخر للرسام المعماري جعفر طوقان، ومعرض للجالية اليابانية بعمان.

ويتميز«ديوان الدوق»، الذي يبدو أشبه بمتحف، بجاذبيته وتناغمه في عناصره المعمارية مع موجودات المكان والأناقة المريحة، التي تبرز في توزيع مكوناته ومفرداته في أجواء المناخ العماني القديم، كما يتبدى في ركائز البيت من خزائن ومقاعد وموائد وزخارف، وما يرافقها من ابتكارات تتجاوز المحتوى الاستهلاكي، وتنسجم مع هوية المكان عبر رحيق وأصداء الماضي القريب.

.جريدة الشرق الأوسط

مطاعم الأردن الشعبية.. تذوق التراث

هاشم، البابا، العساف، النجاح.. أسماء لمطاعم شعبية شهيرة تنتشر في أزقة

.تامر الصمادي

هاشم، البابا، العساف، النجاح.. أسماء لمطاعم شعبية شهيرة تنتشر في أزقة العاصمة عمان القديمة، فرغم تطور الزمن وتبدل طبائع الناس.. ما زالت هذه المطاعم قائمة تلبي رغبات الكثير من المواطنين، الذين تعلقت أفئدتهم بمأكولات المملكة القديمة، آخذة على عاتقها أن تحمل صورة عمان التراثية بشوارعها، ومبانيها الحجرية، وأزقتها ..

ففي مطعم (هاشم) التراثي لازالت مقاعده المتواضعة تحمل رائحة الشخصيات الوطنية القديمة والشخصيات العربية التي طالما جلست عليها وهي تتناول “حمص وفول” المعلم “محمد الترك وإخوانه”، الذين أسسوا المطعم عام 1956.

وعلى جدران المطعم تشاهد صور القيادات الشعبية الوطنية التي لم تستطيع على ما يبدو أن تحرم نفسها من مأكولات “هاشم” التراثية، وأيضا صور لنجوم حاليين مثل صورة الفنان السوري “عباس النوري” صاحب دور “الحكيم” في مسلسل “باب الحارة” وهو يتناول فول “هاشم” على طاولاته القديمة!!.

اللافت للأمر أيضا هو إقدام الشباب والفتيات على مطعم “هاشم”، وعلى غيره من مطاعم العاصمة القديمة، في محاولة شيقة قد يتمكنوا من خلالها أن يتقمصوا شخصيات الجد “أبو علي” و الخال “أبو العبد” والعم “أبو اللطف”، الذين عايشوا “مطاعم أيام زمان” قبل عشرات السنين.

على الرغم من تعاقب السنين ما زالت جدران مطعم “البابا” هي الأخرى مغروسة في قلب البلد القديم، تروي لمرتاديها قصص عمان القديمة، وقصص رجال الأردن القدماء، وقصصا حصرية عن خفايا ساحة المسجد الحسيني، والساحة الهاشمية.

منذ الخمسينات و”البابا” يقدم لزبائنه “البسطاء” الأكلات الشعبية التراثية، المتمثلة في الفول، والحمص، والمسبحة، والفتوش، بالإضافة إلى الفتة، والقدسية، والمتبل.. فهذه الأكلات وغيرها الكثير لم يملها مرتادو “البابا”، فهي بالنسبة لهم تمثل التراث الأصيل، والعشق الأبدي الذي يربطهم بعاصمتهم “الحبيبة” عمان كما يقولون.

ويلفت نظر الزائر للمطعم المواطنون الذين يجلسون على قارعة الشارع الملازم له، والذين لا تخلو طاولاتهم التي يوفرها لهم العاملون هناك، من صحن الحمص ورأس البصل وحبة الفلافل، وكوب من الشاي بالتأكيد.

يقول الشاب أحمد، 22 سنة: “الطعام الذي تقدمه تلك المطاعم هو أكل الفقراء، والحمد لله إحنا تعودنا عليه ولازم كل يوم نيجي ناكل من هون”.

أما الشاب علي، أحد مرتادي مطعم البابا، فيقول: “المطاعم التراثية المنتشرة في البلد القديم لا تقدم فقط المأكولات الشعبية، وإنما تقدم الهوية والتاريخ وقصص أيام زمان لكل من يرتادها، وأنا حقيقة أفضل المطاعم التراثية على المطاعم الراقية والفخمة، التي لا نتمكن أصلا من الدخول إليها باعتبار أننا فقراء”.

الفتاة الجامعية “روعة” والتي ترتاد يوميا هي وصديقاتها المطاعم القديمة، تقول: “أشعر بالسعادة الغامرة أنا وصديقاتي حينما نأتي للمطاعم القديمة المنتشرة في العاصمة عمان، نحن لا نأتي للأكل فقط، وإنما نجيء أيضا لتذوق أيام زمان التي عاشها أجدادنا وآبائنا”.

عالم آخر ينتقل إليه الشاب محمد،27 سنة، حينما يزور مطاعم عمان القديمة، فهي برأيه تنسيه همومه اليومية التي لا تفارقه، كما أنها تريحه ولو للحظات من حمى ارتفاع الأسعار التي باتت تخنق جيب المواطن الأردني.

أما الشاب “عدنان، 28 سنة، فقد اعتاد يوميا على شراء صحن الحمص “التراثي” كما يقول، وذلك ليتمكن من القيام بواجباته اليومية منذ الصباح بكل همة ونشاط.

اللافت للأمر أن كل المطاعم التراثية التي زارتها “عشرينات”، يؤكد العاملون فيها أن هناك طبقتين من الزبائن، الطبقة الأولى هي الفقيرة “المعدمة” التي لا تقوى على الذهاب إلى المطاعم الحديثة ذات الأسعار المرتفعة، أما الطبقة الثانية فهي الطبقة “الغنية” التي تؤم تلك المطاعم كي تعيش ولو للحظات التاريخ والتراث القديم، ولتغير من الروتين الذي تعيشه عند ارتيادها المتكرر للمولات، ومطاعم الوجبات السريعة.

إلى جانب فئة ثالثة تؤم مطاعم “أيام زمان”، وهي فئة السياح الذين يقومون بزيارات سياحية للأردن، فهم يأتون خصيصا إلى تلك المطاعم بحثا عن الحمص والفول التراثي، في محاولة أخرى قد تمكنهم من تذوق العادات والتقاليد الأردنية.

طايح عَ عمّان

.نهاد الجريري

لا تعرف أم جهاد لماذا ما زال الناس إلى اليوم يستعملون تعبير «طايح على عمان » كلما أراد أحدهم أن يذهب إلى وسط البلد. تقول «من أيام البلاد، تعودنا نقول «طايح ع الخليل .» حتى اليوم، لا يلتفت أحد كثيرا عندما يسمع أحدهم يقول «نازل ع السوق ». يتساءل أحمد طالب التوجيهي إن كان لهذا علاقة بالجغرافيا، على أساس أن الطريق إلى وسط البلد تمر بنزول شبه حاد هو المصدار؟ «ربما !» اعتاد سكان جنوب وشرق عمان أن يشيروا إلى وسط البلد على أنه عمان، أي «العاصمة ». فمن هناك كانوا يأتون بكل حاجياتهم من مؤونة ولباس. حتى حبال بيوت الشعر والأدوات المنزلية مثل «إبريق الوضوء » و «الزير » و «اللوكس »، كلها كانت من وسط البلد.
أكثر ما تذكره الأربعينية مها عن جدتها المرحومة أنها كلما «نزلت ع عمان » كانت تحضر للأطفال «خبز السوق »، وهو خبز الكماج. «كان طعمه وشكله مختلفاً تماماً عن خبز الطابون أو الشراك، فكنا نتهافت عليه ونتلذذ بتناوله وكأنه بسكوت .» ومن عمان كان سكان ضواحي المدينة يحرصون على شراء المذياع الذي يعمل بالبطارية طبعا، وكانت في وقت ما بطارية سيارة، ذلك أن خدمة الكهرباء لم تكن قد توافرت بعد في مناطق مثل: خريبة السوق وجاوا واليادودة واللبن وأم البساتين، في أواخر السبعينيات. فكان الناس يمضون لياليهم بالاستماع إلى الراديو الذي عمل بالبطارية. «إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية، وإذاعة الشرق الأوسط كانتا الرفيقتان في ليالي السهر ». كان الساهرون يستمعون إلى أغاني أم كلثوم و «يشاهدون على الراديو » الأفلام والمسرحيات. «كان هناك راو يصف للمستمعين كيف دخل الممثل الفلاني إلى المسرح أو أنه خرج منه، وكيف أن ممثلا في فيلم سينمائي كان يتعارك مع ممثل آخر؛ «كان هذا بالنسبة لنا الدليل الذي نرى بعينيه المسرحية أو الفيلم وكأننا نشاهده حقيقة »، يروي أبو جهاد. في مرحلة لاحقة، وتحديدا في أوائل الثمانينيات، تمكن أبو جهاد من الحصول على تسجيل «كاسيت » لمسرحية «كاسك يا وطن » لدريد لحام. ويذكر أن العائلة اجتمعت حول المسجل تلك الليلة لحضور المسرحية «سماعيا »؛ كان «يوقف التسجيل ويعيد الشريط كلما قال غوار جملة جريئة يصفق لها الجمهور: في التسجيل وفي المنزل

سينمات وسط البلد: بدأت في العشرينيات واندثرت في التسعينيات

.منصور المعلا

يتذكر محمد راجح ) 65 سنة(، كيف كان يقف على سور الشارع المؤدي إلى داري سينما الأردن وستوديو الأردن المتجاورتين، وينظر في اتجاه وسط البلد، حيث تقوم اليوم سينما الحسين، لعله يستطيع متابعة فيلم يعرض في سينما الإمارة.
كانت «الإمارة »، دار سينما صيفية غير مسقوفة، فكان في إمكان الواقف على حافة الشارع الواقع في الجانب الشمالي من جبل عمان، أمام منزل رئيس الوزراء الأسبق توفيق أبو الهدى، مشاهدة فيلم يعرض على شاشة تلك السينما الفريدة في تاريخ عمان، فقد كانت أول وآخر دار سينما صيفية. لم يكن محمد راجح وحده هو الذي يقف في تلك المنطقة، بل كان يقف معه أطفال كثيرون، طمعا في أن يشاهدوا السينما التي كانت المتعة الوحيدة المتوافرة لأناس ذلك الزمن، مجانا. فقد كانت هنالك دور سينما أخرى، ولكن كان على من يود مشاهدة فيلمين بتذكرة واحدة في سينما البتراء أن يدفع ثلاثة قروش، وهو مبلغ لم يكن يتوافر بسهولة في تلك الأيام التي تعود إلى أوائل الخمسينيات من القرن الماضي.
عرف الجمهور الأردني قاعات العرض السينمائي منذ االعشرينات من القرن الماضي، حين افتتحت سينما البتراء في منطقة وسط بين سيل عمان وشارع المهاجرين. وكانت إلى جانب كونها أقدم دور السينما، أكبرها مساحة. وقد تعرضت السينما لحريق في أواسط الستينيات، ثم أعيد بناؤها قبل أن تتم إزالتها بعد إعادة تخطيط المنطقة التي كانت قائمة فيها في السبعينيات من القرن الماضي. ومن أقدم سينمات عمان، إلى جانب سينما الإمارة وسينما البتراء، سينما الأهلي التي ما زالت باقية مكانها في المحطة مقابل جسر المحطة الذي كان قائما في الخمسينيات، وقرب محطة حديد عمان في المحطة، وسينما دنيا في شارع المهاجرين، وما زالت قائمة حتى اليوم.

أقيمت دارا السينما في أواخر الخمسينيات، وكانت سينما رغدان تعرض الأفلام الراقية، وأول فيلم عرض على شاشتها فيلم رافادوس للممثل الشهير آنذاك غريغوري بيك. أما سينما عمان فقد كانت تطل على وسط البلد ومدخلها من شارع الملك حسين، وكانت أكثر شعبية من سينما رغدان، وما تزالان قائمتين حتى اليوم، رغم تراجع مستواهما ومستوى الأفلام التي تعرضانها. ومن السينمات التوائم سينما الحسين وسينما فلسطين اللتان أقيمتا معا في الشارع الذي تم شقه في بداية الستينيات من شارع السلط وحتى شارع الشابسوغ، وشهدت سينما الحسين التي كانت توصف بالفخمة فترة ذهبية في الستينيات، قبل أن تتحول مع الزمن ومع ظهور دور عرض جديدة إلى سينما شعبية.أما سينما فلسطين فبدأت شعبية، وما زالت كذلك حتى اليوم. في أوائل الستينيات أقيمت سينما الحمراء على جسر الحمام المتفرع عن شارع الملك طلال، وهي ما تزال قائمة حتى اليوم، وفي الوقت نفسه تقريبا أقيمت سينما الرينبو، لتكون أول سينما تقام بعيدا عن وسط البلد، إذ أقيمت في جبل عمان قرب الدوار الأول حيت سمي الشارع باسمها حتى اليوم، وكانت من أكثر دور السينما فخامة في عمان حتى فترة السبعينيات حين تراجع دورها هي أيضا، ثم تحولت إلى مسرح خاص منذ بداية التسعينيات. مع نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، بدا الإقبال على السينما يخف بالتدريج، وبخاصة مع ظهور التلفزيون، وبدأ بعض الدور تلغي حفلاتها، في حين بدأت دور آخر تعرض أفلاما قديمة، ولجأت دور أخرى إلى عرض أفلام تتضمن مشاهد جنسية مقتطعة من أفلام مختلفة ولممثلين مختلفين وممثلات مختلفات، فيما لجأت دور أخرى إلى عرض مباريات لكرة القدم لم تكن تعرض في المحطات الفضائية

مع نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات ازداد عدد دور السينما التي أقيم الكثير منها في مناطق متفرقة من وسط البلد، فأقيمت سينما الفيومي في سفح جبل اللويبدة، والتي رممت وأعيد بناؤها في نهاية الخمسينيات وافتتحت مجددا تحت اسم سينما الخيام. ثم سينما الأردن وسينما ستوديو الأردن اللتان أقيمتا على سفح جبل عمان المقابل لسفح جبل اللويبدة، وكانت سينما الأردن تعرض الأفلام العربية فيما اختصت سينما ستوديو الأردن بعرض الأفلام الأجنبية. وكان الوصول إليهما يتم عبر درج طويل ومرتفع ما زال قائما حتى الآن. افتتحت سينما بسمان في النصف الأول من الخمسينيات، وكانت تعرض فيها، إلى جانب الأفلام السينمائية، بعض العروض المسرحية، وكثيرا ما كانت تستضيف أحد أبطال الأفلام التي تعرض على شاشتها، ومنهم: يوسف وهبي وفؤاد المهندس. وما زالت الدار قائمة حتى اليوم. افتتحت سينما زهران العام 1954 ، وكان أول فيلم يعرض فيها هو الدرع الأسود، الذي قام ببطولته نجم هوليوود في الخمسينيات والستينيات توني كيترتس. وقد أجريت عليها تحسينات عدة، وأعيد تجديدها أواسط الستينيات لتعرض عليها أفلام من نوع خاص على شاشة خاصة قيل إنها مجسمة، وحملت اسم زهران هيرا كلوراما. وفي أوائل الستينيات ألحقت بها سينما صغيرة هي سينما ستوديو زهران، وما زالت الاثنتان قائمتين بعد أن تحولتا في السنوات الأخيرة إلى سينمات شعبية. وعرفت ظاهرة السينمات التوأم في عمان، مثل الأردن وستوديو الأردن، وزهران وستوديو زهران، فظهرت سينما رغدان وسينما عمان، اللتان كان يصل بينهما درج داخلي.

مع نهاية التسعينيات كانت دور السينما في وسط البلد قد فقدت دورها، وبدأت في الظهور دور عرض أخرى تتميز بالفخامة، والمجهزة بأحدث الأجهزة والمعدات، والتي تعرض أحدث الأفلام العالمية والعربية في وقت عروضها في بلدانها الأصلية، كما ظهرت مجمعات سينمائية فاخرة تضم عدة قاعات للعرض تعرض مجموعة من الأفلام الحديثة في وقت واحد تلبي أذواق قطاعات مختلفة من الجمهور. من هذه السينمات سينما غاليريا التي تضم قاعتين فخمتين للعرض تعرضان فيلمين مختلفين، وهي من أوائل دور السينما الفخمة التي ظهرت مؤخراً، وتقع في منطقة عبدون. وكذلك سلسلة قاعات عرض سينما سانشري التي تضم ست قاعات مختلفة تعرض كل واحدة فيلما مختلفا، وسلسلة قاعات عرض سينما جراند في مجمع مكة مول والتي تضم 8 قاعات مختلفة، وسلسلة سينما رويال في مجمع لارويال في الدوار الثالث في جبل عمان، وتضم ثلاث قاعات مختلفة، وهي أحدث القاعات التي أقيمت في عمان. يجدر التذكير بحادثين طريفين عن تلك الدور، فقد كانت تقوم في وسط البلد،سينما كانت تحمل اسم الفردوس. وفي أواسط الخمسينيات تحولت هذه السينما إلى مقهى هو مقهى العاصمة، الذي أصبح من أشهر مقاهي البلد إلى حين هَدمه في مطلع التسعينيات من القرن الماضي. وفي حالة معاكسة، تم في مطلع الستينيات تحول مقهى كان يقع في شارع لمهاجرين، إلى دار سينما حملت اسم سينما الكواكب، ما زالت قائمة حتى اليوم

وسط عمّان: حين كان السيل نهر

Pict 6.jpg
.دلال سلامة
كان نهراً حقيقياً، تحفه الأشجار على الجانبين، والمنطقة الممتدة من قصر رغدان إلى عين غزال كانت منطقة بساتين وكروم تين وعنب ». هكذا يتذكر عدنان ) 68 عاما( سيل عمان في الأربعينيات، عندما كان يعمل في المستشفى الإيطالي آنذاك، ويضطر إلى قطع المسافة من شارع الملك طلال إلى المستشفى على جسر بدائي من الخشب. هكذا يتذكرها أيضا الروائي عبد الرحمن منيف، الذي ولد في عمان، فهو يشير إلى عمان في كتابه سيرة مدينة بوصفها مدينة يخترقها نهر ينبع من رأس العين؛ سيل عمان هو النهر الذي كتب عنه الراحل منيف. صلاح ) 62 عاما(، يتذكر السيل في أواسط الخمسينات، عندما كانت المياه تصل المبنى القديم لأمانة العاصمة، وهو مقر مكتبة أمانة العاصمة هذه الأيام، وتمر من تحت جسر كان يطلق عليه اسم جسر فرعون، نسبة إلى درج فرعون، وهو الاسم الذي كان يطلق على المدرج الروماني آنذاك، «هناك كان بعض الشباب يستخدمون أتربة وبعض الحجارة لصنع حاجز تتشكل خلفه ما يشبه البحيرة الصغيرة، حيث كان الأطفال يصطادون بعض السمكات الصغيرة التي كان بعضها يعلق في الماء المتجمع في البركة الصغيرة .» يتذكر صلاح أنه في الصيف كان كثير من الباعة يفترشون الأرض المحاذية للسيل، عارضين بضائعهم وغالبيتها ملابس مستعملة، كانت تأتي في معظمها من «بقج » الملابس التي كانت توزعها وكالة الغوث «الأونروا »، على اللاجئين الفلسطينيين بين حين وآخر، ولأنها لم تكن تناسب أصحابها في الغالب، كان هؤلاء يلجأون إلى بيعها. في الشتاء كثيراً ما كان السيل يفيض على الجانبين، ويصبح من الصعب على المواطنين أن يعبروه، فكان بعضهم يصنع ما يشبه جسراً من حجارة يتقافز العابرون عليها ليصلوا إلى الجهة الأخرى، وهذه الطريقة لم تكن سليمة دائماً، فقد يسقط أحدهم في الماء ويخرج مبللا. ولأن مصائب قوم عند قوم فوائد، فقد كان بعض «العتالين » يعرضون على المواطنين حملهم على ظهورهم وعبور السيل بهم، لقاء قرشين، أو ما شابه ذلك. جمال ) 51 عاما( يعمل تاجر سجاد منذ ثلاثين سنة في سقف السيل، كان طفلا في أواخر الستينات، وهو يتذكر فيضان السيل في الشتاء، فيضطر الساكنون على ضفافه، وكان معظمهم في تلك الأيام من الشركس والشوام، ويسكنون في براكيات من «الزينكو »، إلى اللجوء إلى مناطق مرتفعة الجبال هربا من المياه. يقول جمال إن بعض العائلات كانت تخرج في أيام الربيع مع أبنائها، وتأخذ طعامها وتجلس تحت الأشجار التي كانت على جوانب السيل. ولكنه يقول إن الحال في الصيف كان يتغير، فقد كانت المياه تخفّ كثيرا، وتصبح مياها آسنة تنبعث منها رائحة نتنة. هذه هي ذكريات من أدركوا أيام سيل عمان قبل أن يسقف، وهو كان يمتد شرقا إلى مدينة الزرقاء، حيث يسمى هناك سيل الزرقاء، وكان أحد مصادر المياه في المدينة، إلى أن تم سقفه العام 1968 ، بسبب جفافه، ونضوب عيون المياه التي كانت تغذيه، مع مرور السنين وازدياد عدد السكان. ما كان نهرا، أو نهيرا، تحول إلى شارع إسفلتي يسمى شارع قريش، وإن كان الناس إلى الآن ما زالوا يصرون على الاحتفاظ باسمه القديم، شارع سقف السيل، أما ضفتاه اللتان كانتا تزدهران بالأشجار، وبخاصة ضفته الموازية لشارع الملك طلال، فقد تحولتا إلى شارعين طويلين متقابلين يزدحمان بالفنادق الشعبية، ومحلات الملابس الجديدة والمستعملة: الأجهزة الكهربائية، الأدوات المنزلية، الهواتف الخلوية، المواد الغذائية، وغيرها. ويرتبط اسم الشارع اليوم في صورة كبيرة بتجارة الملابس الأوروبية المستعملة، وفي منطقة يطلق عليها اسم الجورة، وهي ساحة كبيرة منخفضة عن سطح الشارع، وينزل إليها بواسطة درج، يأتي كثيرون لشراء قطع أثاث مستعمل. في يوم الجمعة يتحول الشارع إلى خلية نحل، فيرتاده الآلاف الذين يبدأون بالتوافد عليه منذ ساعات الصباح الباكر، حيث تكون عشرات البسطات قد انتشرت على جوانبه ممتلئة بالملابس والأحذية المستعملة، الأقراص المدمجة، الخلويات، العملات المعدنية والورقية، الإكسسوارات. الغريب في الأمر وجود بسطات لأنواع من البضائع لا تعرف إن كان هناك من سيشتريها أو يستفيد منها، مثل: مصفاة بلاستيكية مشقوقة، أو صينية ميلامين مكسورة الطرف، وزجاجات عطر مليئة بمياه ملونة، ومحافظ جلدية تالفة، وعلب شامبو فارغة. الناس الذين يبيعون مثل هذه الأشياء يرفضون الكلام عن مصدرها، ولكن زايد، أحد أصحاب المحلات في المنطقة، قال إن هؤلاء يأتون بها من حاويات القمامة. أكمل زايد، إنه يعرف شخصيا شابا في الثلاثينات من عمره مهنته النبش في الحاويات، حيث يلتقط بعض الأغراض ويستصلحها، ثم يأتي إلى السوق ليبيعها. المنطقة التي ظلت زمنا طويلا، وما زالت حتى الآن، تعتبر قاعا للمدينة، لا تخطئ العين فيها أشخاصا من الواضح أنهم ينتمون إلى طبقات مرتاحة، يتجولون يوم الجمعة بين البسطات. خالد ) 42 عاما( يقول إنه حريص على النزول إلى سقف السيل كل جمعة، لأنه على حد قوله يعثر على ما يسميه )لقطات(. خالداشترى قبل أشهر قلما ماركة باركر مطليا بالذهب بدينارين ونصف الدينار، ومرة اشترى قطعة كريستال أصلية بدينار، كما أنه يحصل دائما على قطع غيار جيدة لجهاز الكمبيوتر الخاص به وبأسعار جيدة، وهو يفسر هذه الأسعار البخسة، بأن هؤلاء يحصلون على بضاعتهم من القمامة، ولا يعرفون بالتالي قيمة ما يجدونه أحيانا. ولكن لفترة طويلة ظلت المنطقة مكانا لتصريف البضائع المسروقة بأثمان بخسة، وكان ذلك يتم في ما يسمى سوق الحرامية، الذي يقع أول شارع سقف السيل. وبقي لفترة كذلك، ولكن التشديدات الأمنية حدّت كثيرا من الظاهرة، وإن ظل المكان محتفظا باسمه القديم. سبيل الحوريات، واحد من أبرز معالم المنطقة. هذا الأثر الروماني بني أواخر القرن الثاني الميلادي، أو أوائل القرن الثالث الميلادي، وكان حماما فخما، تُزين جدرانه الداخلية ألواحٌ من الرخام، وفيه حمام سباحة يمتد على طول البناء، وبعمق 26 قدما. هذا الحمام تحول بمرور الزمن إلى خان ينزل فيه المسافرون. صلاح يقول إن السيل الذي كانت تغذيه مجموعة من الينابيع، كان منهما اثنتان تنبعان من موقع مقابل لسبيل الحوريات، وكانت إحدى متع أطفال ذلك الزمان، أن يغطسوا في اتجاه النبع الذي ما تلبث مياهه المتدفقة أن ترد السابحين الصغار إلى الخلف، ليعاودوا الكرة مرة بعد أخرى دون ملل. سيل عمان، كان في يوم من الأيام نهرا حقيقيا، لكن شيئا لا يدل على وجوده الآن سوى فتحات تصريف مياه الأمطار في الشارع، والتي تنبعث منها في الصيف روائح كريهة، تضطر أصحاب المحلات إلى تغطيتها بالكرتون وقطع قديمة من السجاد

أرقام تثمّن بملايين أضعافها


كانت سيارة الكرايسلر تتهادى في شوارع اللويبدة في بدايات الستينيات، وهي تحمل صاحبها نعيم عرفان، ولا تختال بكونها من أجمل سيارات عمّان فحسب، ولكن لأنّها تحمل الرقم واحد، لتؤكد تميّزها عن غيرها، مهما كان نوعها، أو شكلها. عرفان كان اشترى الرقم من ورثة رئيس الوزراء الراحل توفيق أبو الهدى، ولكنّه لم يستطع الحفاظ عليه فقد كان صديقه الشاب نعمان عصفور ينتظر أية فرصة ليشتري السيارة والرقم. وهكذا كان. فعرض الأول على الثاني الرقم، دون السيارة، ولم يوفّر صاحبنا فُرصة، والرقم معه منذ تلك اللحظة، متنقلاً بين سيارات الفولفو التي مرّت عليه، فالفولفو سيارة سويدية، ولكنّها في الأردن ترتبط بآل عصفور.
كان ذلك في العام 1964، أمّا الآن وقد صار الشاب نعمان حاجاً، فهو يرفض أن يقول لنا عن سعر شرائه الرقم، ويرفض أيضاً أن يتحدث عن العروض التي وصلته إذا فكّر بالبيع، مع أنّ خبراء تعاملوا مع بيع وشراء أرقام أقلّ حظاً بالضرورة من الرقم واحد يقولون إنّ هناك من هو مستعد للشراء برقم تصل أصفاره إلى الستة، إلى جانب الرقم واحد الذي هو رقم السيارة.
هذا الإمتياز سيفقد شيئاً من بريقه، مع نظام لوحات السيارات الجديد، وسوف يوضع الرقم 10 قبل الواحد، ولكن في نهاية الأمر، سيعود الامتياز إلى حاله حين تتكرّس الأرقام الجديدة، وسيظل الناس يعرفون أنّ هذه هي السيارة التي تحمل رقم واحد في الأردن.
وتحمل الأرقام في الأردن نكهة تميّزها عن باقي الدول، ويعشق الأردنيون مسألة التميّز بالأرقام، في السيارات والهواتف الأرضية والنقالة وصناديق البريد وغيرها، ويملك الأستاذ فؤاد البخاري صاحب المكتبة في منطقة الدوار الرابع نسخة من أوّل دليل للهاتف في الأردن، ويعيدك الدليل بورقه الاصفر العتيق إلى 61 عاما مضت من تاريخ الوطن، تجدها بين ثنايا صفحاته التي يفوح منها عبق الماضي العريق، فتنثر تلك الارقام القديمة للهواتف الرسمية والمنازل والمحلات التجارية بين يديك بعضاً من الارث التاريخي للوطن.
ففي الصفحة الثامنة من الدليل الصادر عام 1946 التي يزين أعلاها رسم للتاج الملكي تقرأ عبارة “القصور الملكية العامرة :”  من يود التشرف بمحادثة حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم عليه ان يطلب احد ارقام مقسم المقر الملكي العالي وهي “1 , 2, 143, 306, 314”.
ويحتوي الدليل الذي يقع في 78 صفحة من القطع المتوسط على 1053 رقما هاتفيا من بينها “24 رقما” لديوان جلالة الملك والقصور الملكية العامرة و”118 رقما” للدوائر الرسمية، ومناطق المملكة آنذاك.
واشتمل الدليل على معلومات حول اجور المكالمات التي حددت تسعيرة المكالمة مع فلسطين بـ 200 مليم، القاهرة 440 مليما، والاسكندرية 480 مليما.
واشارت المعلومات الارشادية للدليل الذي اعتمد اسم الشخص اولا وليس العائلة الى مضاعفة اجور المكالمات المستعجلة علما ان اوقات العمل على المقسم كانت ليلا ونهارا في عمان واربد، اما باقي المناطق فكانت اوقات دوام مقاسمها بين الساعة الثامنة صباحا والثانية من بعد الظهر، ومن الرابعة من بعد الظهر وحتى السادسة مساء.
وأوضح الدليل رسوم تأسيس الهواتف وكيفية دفعها حيث كانت تدفع على اربعة اقساط سنوية في اشهر نيسان وتموز وتشرين الاول وكانون الثاني  وتبلغ “6 جنيهات فلسطينية” للخط الاصلي وثلاثة جنيهات للخط الثاني و750 مليما عن كل خط بعد ذلك.
ويتبين لمتصفح دليل هاتف المملكة عند استقلالها ان ارقام هواتف عمان كانت تتكون من خانة وخانتين وثلاث خانات رقمية.. اما باقي المحافظات فكانت تتكون من خانة او خانتين رقميتين فقط.
واشار الدليل الى ان الرقم واحد في عمان يعود لهاتف القصور الملكية العامرة كما ان الرقم واحد في اربد يعود لعبد المهدي ومحمد الموسى وفي صويلح لمحافظ الخطوط وفي الرمثا لمراقب السير ومأمور الجوازات وفي جسر المجامع لمزرعة العدسية وفي السلط لسامي نصراوين وفي المفرق لمدير البريد وفي مادبا لمخفر ذيبان.
وفي الكرك يعود الرقم واحد الى مركز الفرسان وفي القطرانة لمخفر القطرانة وفي معان لمنزل مذكور الكباريتي وفي العقبة لمدير الناحية.
وبين الدليل ان طالب الاشتراك الذي يزيد طول خط هاتفه على كيلو متر واحد مساحة هوائية او خارج منطقة مكتب البريد يتحمل تكلفة التأسيس كاملة.
وتضمن الدليل “ 23 اعلانا تجاريا “ تدلك على انواع التجارة الرائجة في ذلك الوقت مثل محلات شفيق الحايك لبيع الاقمشة والنفوتيه بفرعيه في عمان ومصر ومحلات اديب ابو قورة للمطرزات وادوات التجميل ومطعم اكسبرس حداد للمأكولات الافرنجية والعربية مع خدمة الطلبات الداخلية والخارجية ومعكرونة بدير وعزيزية للعائلات ومحلات باتا للاحذية ومحلات شهرزاد لصنع الروائح وادوات التجميل في عمان ويافا ومحلات جميل الصالح حتر للبقالة والمخازن الشرقية لحكمت شريم للوازم السيارات ومواد البناء اضافة الى اعلان لوكلاء الروائح ومستحضرات التجميل لسكر وعنداري ومحلات سليمان الخليل وخليل الموسى لبيع الزيت الحلو الممتاز في عجلون والشركة العربية للمقاولات والتجارة.
وامتازت الاعلانات بالبساطة حيث تقرأ في اعلان شركة التكسي ونقليات الاندلس لرجب الخشمان “الاسعار تلائم جميع الطبقات وكلفة الراكب الواحد للقدس 550 مليما و1000 مليم ذهابا وايابا بنفس اليوم .. تكسيات في كل لحظة تحت امرك وطلبك .. “ وحمل اعلان مكتبة الشباب شعار “رفع مستوى الثقافة والقناعة في الربح” الوكلاء لمكاتب ومطابع المصرية في
الاردن

.عن مجلة اللويبدة

عمان … المدينة القديمة

لا يتوقف قلب عمان في «المدينة القديمة» عن النبض، لكن هذا النبض بات يشكو من اضطراب، ومن احتشاء حسب الوصف الطبي، نتيجة ضغط المركبات والتدافع التجاري والتلوث الصوتي واختلال الهوية المعمارية.
يحتاج الأمر إلى إعادة تنظيم، تنطلق من الإقرار بخصوصية ومركزية «وسط البلد»، لا التعامل مع هذا الجزء من العاصمة كأية منطقة أخرى.
يحقق التنظيم المقصود غاياته بضبط الإيقاع الحيوي والحفاظ عليه، وإغنائه بالجديد بما لا يمس نسقه، ففي زمن مضى كان قلب عمان رئة للفسحة والتنزه، وتزجية جذابة لوقت الفراغ إلى جانب التسوق. كان هذا القلب يجذب اليه أبناء المدينة من مختلف الجبال والمناطق، إضافة للقادمين من المحافظات. ومع ما امتاز به وسط البلد من روح شعبية وطابع شرقي، فقد اتسم كذلك بطابع حداثي في خمسينيات القرن العشرين وستينياته. يشهد على ذلك الاختلاط الاجتماعي، والأزياء الحديثة، ودور السينما، ومرابع الغناء، فضلاً عن المطاعم: علي بابا، الأوبرج، الشرق، جبري وسواها، والفنادق متعددة المستويات التي نشأت أول ما نشأت هناك، ومن بينها فندق فيلادلفيا رفيع المستوى، ملتقى النخبة السياسية والاقتصادية، الذي امتدت إليه يد الهدم بغير وجل، ودون أدنى اعتبار لرمزيته السياسية والعمرانية.
ولأن الحياة في قلب العاصمة تُركت على سيولتها، فقد برزت العشوائية دون أن يدركها التنظيم إلا في حدود دنيا، فأصبح وسط البلد في نظر كثيرين بؤرة ضغط طاردة، وكان لعقود طويلة من القرن الماضي عنصر جذب. وبات جيل جديد من أبناء العاصمة، ممن تقل أعمار أفراده عن الخامسة والثلاثين، على غير معرفة بهذا المركز التاريخي، الذي كثيراً ما جمع أشتات الناس وشرائحهم من الجنسين.
ساهم في هذا الانفصال عن المركز: التمدد العمراني والحضري للعاصمة نحو الغرب والشمال، وقد نشأت مع هذا التمدد أسواق ومراكز جديدة، فبات وسط البلد يكافح للبقاء «على قيد الحياة» وسط زحمة التنافس.
في سائر حواضر العالم فإن قلب العاصمة يعكس الخصوصية الحضارية للبلد، ويجسد نجاح الإدارة والتنظيم واستتباب الأمن فيها، بما يجعله مرآة للبلد و مركز إشعاعها ومدخلاً إليها .
وسط البلد ما زال يعكس قدراً من هذا. فالزائر من خارج الأردن، يلمس فيها قدراً من الخصوصية يجتمع فيه عبق الماضي بالمحاولات الجاهدة لمواكبة العصر، مع بعض الخدمات مثل: الفنادق، والمطاعم الشعبية، والأسواق القديمة. وكذلك الأمر مع الزوار من المحافظات وبالذات من الجنوب والأغوار،حيث يشكل قلب عمان مركز جذب لقضاء الحاجات والتمتع بثمار المدينة.
أما الخطأ الذي وقعت فيه الجهات الإدارية في الربع الأخير من القرن الماضي، فتمثل في النظر إلى قلب العاصمة، على أنه منطقة بين مناطق أخرى ينطبق عليها ما ينسحب على غيرها من التنظيم كالهدم والترخيص بالبناء وفتح المحال التجارية وتنظيم حركة السير. نجم عن ذلك غياب معايير لواجهات المباني ولمواد البناء فاختلت الهوية المعمارية، حيث نشأت بنايات ذات واجهات زجاجية أو بألوان متنافرة، فيما تعرف بعض العواصم باللون الغالب عليها، فتونس ومسقط تمتاز باللون الأبيض، والقاهرة باللون الوردي لمبانيها القديمة، فيما ترك للملاك في عمان اختيار ما يشاءون من تصاميم وألوان.
وبينما أسهم رفع الأرمات عن الواجهات في الحد من ازدحام الكتابات، فإنه لا يلاحظ وجود خطة معتمدة للترميم مع الإبقاء على طابع المدينة، فالترميم، كما الصيانة للواجهات والمداخل، متروك لتقديرات المالكين.
الاضطراب في الهوية،يدلل عليه البعض بما طرأ على وسط البلد من تغير في القوى العاملة هناك. العمالة غير الأردنية باتت مبثوثة في مرافق الخدمات وفي كل زاوية من زوايا تلك المنطقة، ويذرع أفرادها الشوارع الرئيسية والفرعية ليل نهار.. فاختلطت الألسنة والأصوات، وباتت اللهجة الأردنية الريفية والبدوية والمدينية، مجرد لهجة بين اللهجات الطاغية والمستخدمة في قلب المدينة. حدث ذلك بصورة شرعية، تحت سمع وأبصار الجهات المسؤولة في العقدين الماضيين. يُعزى ذلك إلى انسحاب العمالة المحلية التي خلفت فراغاً ملأه غيرها، وأحدثت نقصاً سده آخرون، فيحدث أن يتولى عامل مطعم صعيدي تقديم وجبة إلى أردني متعطل عن العمل، أو أن يعرض عامل من الجزيرة في سورية، الجميد لمواطن متحدثاً عن مزايا هذه السلعة. لم يكن الحال يحتاج إلى إغلاق سوق العمل أمام الوافدين، بل إلى تنظيم سوق العمل وتقديم حوافز وضمانات كافية للعمالة المحلية.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك، فهناك اختلاط في الأسواق القديمة منها والجديدة .على امتداد شارع رئيس مثل: شارع الملك طلال يلحظ الزائر سوقاً قديمة تحتل بضائعها الأرصفة، وفي الخلف منها أسواق حديثة للإلكترونيات .ولظروف سابقة فإن التنظيم لم ينجح ولم يخطط لتخصيص منطقة قائمة بذاتها للأسواق والسلع القديمة (داون تاون) بما يسمح بتحديد حدودها، ويمكّن الزائرين والسواح من تأمين مستلزماتهم وتلبية حاجاتهم ضمن رقعة جغرافية واحدة.
تنظيم حركة السير حقق بعض النتائج مع توسعة الشوارع ومنع الانتقال من ضفة إلى أخرى، غير أن ضغط وضوضاء المركبات وما ينجم عنها من تلوث ومن انسداد المشهد أمام الرائي بقي مشكلة بلا حل. فقلب المدينة يشهد ازدحاماً طيلة ساعات النهار صيفا وشتاء. في أوقات سابقة جرى التفكير بمنع المركبات الخاصة من التوجه إلى قلب المدينة، وبينما كان الأمر وما زال يحتاج لمنع التكسي الأصفر أيضاً من دخول البلد للوفرة الهائلة في مركباته، إلا أن هذا التوجه لم يؤخذ به. فبقيت هذه المنطقة مثل مناطق عديدة أخرى أشبه بمرآب «كراج» لطوفان من مركبات متحركة.
وتمتد مظاهر الضوضاء لتشمل أصوات الباعة، ويفترض أن البضائع المعروضة «تنادي» على زبائنها وتخاطب أنظارهم ومداركهم، دون حاجة لنداءات بشرية توضيحية. أما محلات الأشرطة والصوتيات، فتشكل مصدراً رهيباً للضوضاء، فكون السلعة صوتية لا يُسوّغ تشغيل نماذج منها، واحتلال المجال السمعي للمشاة وبقية التجار في الجوار.
وخلافاً لأية مناطق أخرى، فإن وسط البلد يخلو من أي متنفس.تخطيط المنطقة لم يلحظ الحاجة إلى حديقة عامة صغيرة تمتص الضوضاء والتلوث، وتسمح بمجاورة أشجار ونباتات خضراء لصفوف الحجر والمركبات. المنطقة المؤهلة لذلك، وتتخذ شكل مثلث في المنطقة بين الجامع الحسيني وسوق الصاغة، نشأت عليها بناية تجارية متعددة الطبقات وتنجح هذه البناية في سد الأفق أمام الرائي، وتورث الزائر شعوراً بالضغط وقلة الحيلة.
وإذ نجحت أمانة عمان قبل نحو عشر سنوات في التخلص من مكرهة صحية بإقامة مبنيين للأمانة ومركز ثقافي (مركز الحسين) مع حديقة ممتدة على الطرف الغربي من وسط البلد، فإن الأنظار تتجه إلى استكمال هذا الجزء ببناء دارة الملك عبدالله الثاني للثقافة والفنون، والالتفات إلى أجزاء أخرى من وسط البلد بمنحها نفحة جمالية وترفيهية تخفف من الضغط، وتعزز الشعور بالألفة مع المكان.

الازدهار التدريجي والمطرد لقلب عمان على مدى قرن، واكب نشوء الدولة الأردنية التي اتخذت من هذا القلب مركزاً لها منذ عشرينيات القرن الماضي. وهناك من يرى أن هذا الازدهار هيأ الظروف المادية والبنية التحتية لنشوء مرافق الدولة .هذه الخصوصية التاريخية تملي إيلاء اهتمام أكبر بهذا الجزء، وإعادة الألق له مما يتطلب تخطيطاً شاملاً يراعي مختلف الحاجات والمتطلبات، ويضع حداً للنمو العشوائي

.عن جريدة السجل

على حواشي صفحات الكتب.. قصص لأناس غابوا

.زمن العقيلي
حمّل الكتاب الكثير من ملامح حياة صاحبه ومقتنيه، فبين الصفحات و فوق الكلمات خطّت الكثير من الذكريات والخواطر وحتى المعلومات أحياناً؛ لتبقى جميعها محفورة مثل محتوى الكتاب لتسافر معه المعاني الإنسانية عبر الزمن و تنتقل من مجلس إلى آخر و من قارئ لغيره… ليبقى الكتاب دوما هو أفضل و أقرب صديق لقارئه.

ولكون الأردن كان إحدى محطات العديد من الكتب والأدباء و الشعراء و المثقفين من العرب… فقد كانت كتبهم تشاركهم السفر والهجرة وأحيانا تفارقهم لتحطّ في أحد محطات سفرهم.

وحتى كتب البسطاء من الناس كانت أيضاً هي الأخرى تحمل بعضاً من ملامح حياتهم فتجد حسابات المصروف الشهري على كتاب أحد الموظفين وآخر يروي بعضاً من تفاصيل يومية على ظهر كتابه ولم يتوان تلميذ عن التغزل بزميلة على كتب المدرسة.

وفي مكتبة خزانة الجاحظ تتجلى تلك الذكريات على صفحات حواشي الكتب، ويحدثنا الشيخ هشام المعايطة صاحب هذه المكتبة عن ما وجده على حواشي صفحات الكتب المستعملة والقديمة لديه ويقول “لا أنسى حينما اشترينا في أحد المرات مكتبة لشخص اسمه نبيل الفرماوي ولم نكن نعرف عنه شيئاً حينها لكننا وجدنا كل ذكرياته التي كتبها منذ صغره على جميع كتبه”.

وتابع الشيخ هشام “فكتب هذا الشخص على أحد كتبه تفاصيل رحلته من مدينة يافا عبر البحر و كان حينها لا يزال طفلاً، حيث يذكر في تفاصيلها أنه كان يتأمل البحر ويتمنى أن يصل سالماً الى البر وذكر أنه يتمنى أن يصبح طياراً عندما يكبر، ومن خلال ذكرياته على كتبه عرفنا عنه الكثير من تفصيل وملامح حياته رغم أننا لانعرفه أبداً ولا نعرف عنه شيئاً حتى الآن.

ويضيف قائلاً “وجدنا بعض الكتب وعليها ذكريات لجنود بريطانيين كانوا هنا في زمن الإنتداب البريطاني وكذلك هناك كتب وقع عليها العديد من الكتاب الأجانب منذ عام 1930″.

حواشي كتب نادرة..
وعن حواشي الكتب النادرة يقول الشيخ المعايطة لدينا مخطوطة للإمام زيد ابن الحسين ابن علي وكان على حواشيها بعض الملاحظات التي كتبها حينها، كما وجدنا عليها أيضا بعض الحسابات والمعادلات بالجبر القديم كتبها من اقتنى تلك المخطوطة بعد الإمام، ويصل عمر هذه المخطوطة الى 600 سنة.

وسرد أيضاً “وكذلك وجدنا بعض الملاحظات والأختام القديمة جداً على حواشي مصحف كتبت آياته قبل ترقيم الآيات ويرجع عمره الى 800 عام، وكان هناك كتاب اسمه الإله الأعظم مكتوب بالورق المشمع الذي ابتكره العرب للكتابة عليه بعد رمي المغول عند دخولهم بغداد جميع الكتب في نهر دجلة مادفع العرب للكتابة على ورق مطلي بالشمع لكي لايتلف بالماء عند رميه فيه ويعتبر هذا أحد رموز جودة الصناعة الإسلامية”.

قصيدة نادرة..
ويقول الشيخ هشام: في المجلات المستعملة النادرة والقديمة عثرنا على العديد من الملاحظات منها قصيدة نادرة لعرار وغير موجودة في أي من كتبه، وجدناها على مجلة نفرتيتي حيث كان قد كتبها سنة 1922.

كما وجد في مكتبة الجاحظ مجلات عراقية مثل (سومر) وهي من المجلات القديمة وعليها طلب كبير بسبب إحتوائها على أغلب أدباء وكتاب العراق الذين كانوا يقرأونها في ذلك الحين

هجرة الكتب..
وعن تطور الحركة الثقافية في الأردن نتيجة توافد وهجرة الكثير من الكتاب والأدباء والفناننين وحتى المثقفين من الدول العربية نحو الأردن نتيجة توترات الوضع السياسي، ومشاركة الكتب لأصحابها ومقتنيها الهجرة قال الشيخ هشام : بعد دخول العراقيين الى الأردن كسب البلد عدداً كبيراً من العلماء والمثقفين الذين زادونا علما في انتشار الكتاب الثقافي والسياسي، فهناك كتب في الحضارة السومرية والبابلية كانت تطبع في الأردن بسبب الحصار وانتشرت في دور النشر الأردنية.

أما الكتب القديمة فهناك أيضا العديد من الكتب القديمة النادرة كانت قد جاءت مع هجرة العراقيين نحو الأردن فهناك كتب كانت للملك غازي والملك فيصل وتعتبر من كتبهم الشخصية وصلتنا ةنحن بدورنا أوصلناها الى الجامعات الأردنية.

ويضيف أما عن حركة الكتاب فكون مكتبتنا تعتمد على مبدأ الإستعارفكان دائما يعود الكتاب و يعمل بعض الملاحظات وأحيانا ذكريات وهواجس القراء فيصبح للكتاب قيمة أكاديمية وإنسانية تكتسب من قبل القراء على حواشي الكتاب.

مستشفى الطلياني

مستشفى الطلياني

.دلال سلامة

يشبه الدكتور الطلياني واحدا من الكهنة القدامى؛ طويل مملوء، له لحية قصيرة مشذبة، يرتدي باستمرار مريوله الأبيض، وتتدلى على صدره السماعات الطبية. لم يكن يُرى وحيدا، فغالبا ما تكون حوله مجموعة من الراهبات الإيطاليات اللواتي يرفلن بثياب بيضاء طويلة وكأنهن في معبد، أو إلى جانب أحد الكهن. يقمن وعائلته إلى جانب المستشفى، في جناح ملحق بها، تماما مثل مساكن الكهنة إلى جانب | الأديرة. كان يحب الطب، ويحب الحياة، وكانت تروى عنه قصص كثيرة

هكذا يصف الروائي عبد الرحمن منيف، في كتابه «سيرة مدينة عمان في الأربعينات ،» الدكتور فاوستو تيزيو، الطبيب الإيطالي الذي قدم إلى عمان في العام 1926 ، كي يضع حجر الأساس للمستشفى الإيطالي، المستشفى الأول في ما كان يسمى آنذاك إمارة شرق الأردن. كانت عمان وقتها قرية صغيرة تقع على ضفة السيل الشرقية، وهناك بعثة تبشيرية إيطالية قدمت قبل حضور الطبيببأربع سنوات..واختارت السلط لتكون مقرا للمستشفى، ولكن تيزيو قرر، بعد حضوره، بناءه في موقعه الحالي على سفح جبل الأشرفية. وهكذا تم شراء الأرض وإقامة المستشفى. وفي العام 1927 بدأت عشرون راهبة في العمل في المستشفى، رغم أن تيزيو كان قد بدأ باستقبال المرضى قبل هذا التاريخ.

المدير الإداري في المستشفى، حنا سابا، يقول: «إن المستشفى أحدث فرقا هائلا في حياة الناس في عمان، وكان يعالج الجميع، ابتداء من الفقراء والعامة إلى أفراد العائلة المالكة، فالملكة الراحلة زين الشرف وضعت سمو الأميرة بسمة فيه. وفي تلك الأيام كان المستشفى يقدم خدماته العلاجية للجميع دون تفرقة، ولم تكن أجرة الغرفة تزيد على السبعة قروش .»

سابا يؤكد أن الدور الخيري للمستشفى ما زال موصولا، فهو إلى الآن يتعاون مع جمعيات خيرية مثل: الكاريتاس والبعثة البابوية، ويقدم في إطار هذا التعاون الخدمات مجانا لمحتاجين مثل العراقيين واللاجئين الفلسطينيين. المستشفى الذي بدأ بطبيبين وعشرين راهبة، صارت مساحته الآن ثلاثة آلاف متر مربع، مقامة على مساحة 11 دونماً، ويتسع 80 سريرا، وتجري فيه 200 عملية ولادة في الشهر، ويقدم خدماته إلى خمسين ألف مريض خارجي. وقد خدم فيه بعض مشاهير الأطباء مثل جميل التوتنجي، نبيه معمر، نديم حبش، ناورز شقم، كريم العجلوني، خليل صويص.بطرس حجازين ) 69 عاما( دخل المستشفى العام 1947 ، وكان في الثامنة عشرة من عمره، وعمل، على حد، قوله في كل شيء، فكان ممرضا وسائق سيارة إسعاف، إلى أن انتهى أخيرا كمأمور مقسم، حيث ما يزال يعمل إلى الآن.

يتذكر بطرس، الأيام القديمة، عندما كان المرضى يأتون على ظهور الخيل والحمير «لم تكن هناك سيارات، فكان الناس يأتون على ظهور الدواب ويربطونها بحديد النافذة، وكثير منهم لم تكن لديهم ما يدفعونه لقاء العلاج، فكانوا يعرضون سلعا عينية كالبيض مثلا، ومرة أحضر فلاح للدكتور تيزيو دجاجة مقابل العلاج، ولكنه رفض أخذها .» عدنان حجازين، كان في السابعة عشرة من عمره عندما عيّن في المستشفى العام 1966 ، وهو لم يدرس التمريض، ولكنه تعلمه بالممارسة من خلال عمله مع الأطباء والممرضات. ولم يكن التمريض هو وحده ما تعلمه، فقد أنهى خدمته في المستشفى وهو يتحدث الإيطالية بطلاقة. سابا يؤكد أن المستشفى كان حاضرا في الحروب والأزمات، وكان حريصا على أن يقدم العون للجميع، فبعد النكبة كان هناك تعاون بينه وبين «الأونروا « :» كان الشخص يحضر بطاقة المؤن، ويقيم في المستشفى المدة التي يحتاجها دون أن يدفع فلسا واحدا .» هذا الأمر يؤكده أيضا عدنان، الذي يتذكر أحداث أيلول، عندما اضطر كثير من العائلات المقيمة بالقرب من المستشفى إلى اللجوء إليه: «بقينا 17 يوما دون أن نخرج، ونفذت الكثير من المعدات، واضطرت الراهبات إلى قص الشراشف واستخدامها كضمادات .» يقول عدنان إن المؤن أيضا نفدت، واضطر أحد الأطباء إلى الخروج، واستطاع الحصول على شوال طحين «قامت الراهبات بعجنه، وعندما خبزنه نال كل واحدعلى قطعة منه بحجم صحن القهوة

مقاهي عمّان وحاناتها

. محمد عمر

من لم يعرف وسط عمان او البلد، يعتقد انها كانت هكذا ابدا، قاعا للمدينة. لكن هذا القاع كان يوما ما في عليائه متجليا قبل ان تتقلب الظروف وتنزاح الطبقات…

اجلس على شرفة مقهى “الاوبرج”، او تحت عريشة القصب الظليلة لمقهى “الاردن”، التقي القلة القليلة ممن يطلق عليهم اسم “الاصدقاء”، او اقرأ في كتاب اشتريته توا من “الطليعة” او “الاهلية” او “الشروق” او من مكتبات الكتب القديمة كـ”خزانة الجاحظ”، او “مكتبة الأصدقاء”، أو بسطات عمان ايام الجمع.
وسط البلد التي ارقب ناسها ومحالها من شرفات المقاهي، واجوب شوارعها ليلا كلما خرجت من احدى حاناتها، لم تكن ما هي عليه الان.
مقاهي عمان وحاناتها كانت قبل زمن تستعصي علينا نحن فقراء الضواحي سكان المخيمات والارياف قبل ان تهجر “برجوازية” عمان مناطقها في الدوار الاول والثاني والثالث من جبل عمان او اللويبدة القديمة الى مناطق اخرى مثل الشميساني وعبدون ودير غبار وام السماق.
خلال الخمسينات، كما علمت، افتتح “مقهى ومطعم الاوبرج”، وهو كان في النهار مقهى يرتاده تجار وسط عمان الذين تركوا محالهم في ايدي “الصنايعية”. اما في الليل فيفتح المطعم الذي هو حانة ايضا. والاوبرج اقيم على غرار مثيلات له ففي بيروت، مثلا، كان هناك “الباريزيانا”، اما في القاهرة فكان هناك الاوبرج ايضا.
لم يستطع الاوبرج ان يشكل جمهوره او ان يحافظ عليه، فهو وان كان انتقل من مكان للنخبة بالمعنى الاقتصادي الاجتماعي فقد بات يعرف مؤخرا كمكان لالتقاء “مثقفي” الفئات الهامشية وان لم يرتق الى مستوى مقاهي المثقفين في مدن عربية اخرى مثل مقى الروضة او مقهى الهافانا في الشام.
على ان الاوبرج الذي كان بمقهاه وحانته حكرا على الذكورة، بدأ مؤخرا يعبق بالنفس الانثوي، ذاك ان حركة السياحة في وسط البلد وانتشار المقاهي الحديثة وعودة الروح للمكتبات بفعل الهجرات الجديدة وخاصة الهجرة العراقية، اتاحت للاوبرج ومقاهي وحانات البلد ان تشهد حركة رجل انثوية نشطة احيانا، وسقطت مخاوف بعض العمانيين ازاء حانات ومقاه كان مجرد التفكير باصطحاب امرأة اليها قد يعتبر اثما ومغامرة غير محسوبة العواقب.
مقابل الاوبرج يقع مطعم “الشرق ابو احمد”، وهو مطعم وحانة قديمة افتتحت منذ الخمسينات ايضا، ثم صار لها فرعا في جبل عمان الدوار الثالث وكان من اجمل مطاعم عمان قبل ان يحول الى حانة وديسكو حديث.
ابو احمد، تعاقب على ادراته عدة اشخاص كان فيه “ابو الفوز” صديق الكثير من المثقفين، وهو من كان يتعامل بروحية صبورة، ما جعل المطعم مكتظا دائما يتعايش فيه المثقف مع “السكير”، مع بعض بواقي تجار وسط البلد اضافة الى المارين والطارئين من شتى الاعمار والطبقات.

ما حدث لاختلاف زوار الاوبرج حدث لابو احمد فهو بات يستقبل النساء عربا واجانب، فكسرن مشهده الذكوري البحت الذي كانه قبل سنوات.
ابو احمد، الاوبرج، بار السلمون، بار الكت كات، بار شهرزاد، بار الاردن، بار الهيلتون (اسم على غير مسمى)، كل وشرب وبيترو، وجميعها بارات وسط البلد التي تتركز في مربع واحد، وهي كانت في اول عهدها محلا لعلياء الطبقات التي كانت تقطن قريبا في اللويبدة وجبل عمان.
اما بار السلمون فهو عبارة عن غرفة صغيرة، في دخلة  بار الاوبرج، وهو يكاد لا يتسع لاكثر من عشرة اشخاص، بعضهم يرتاد البار منذ سنوات وقد اقام علاقة صداقة وطيدة مع صاحبيه المسيحيين اللذين رحالا عن هذا العالم تاركين البار لاصحاب جددا.
الى جانب بار السملون، لا تزال دكانة وبار “بيترو”، تستقبل الجوعى والعطشى المستعجلين، فهذه البقالة كانت تقدم سندويتشات خاصة من البسطرمة والجمبون والبيرة الباردة، قبل ان يتوقف اصحابها عن هذا التقليد لتبقى مجرد مشرب صغير يقدم البيرة الباردة لزوار عجولين يحتسونها وقوفا.
مقابل سينما زهران، كان بار شهرزاد، كنا طلابا جامعيين نرتاده اواخر السبعينات، وكان يقدم البيرة الامستل بسعر 35 قرشا للزجاجة مع صحن ترمس، الا ان البار اغلق وتحول الى محمصة.
على مقربة من بار السلمون وفي دخلة جانبية، يقبع بار الاردن بهدوء كما لو كان اثرا نسيه الزمان، وهو وقد اكل الدهر عليه وشرب، فقد تحول الى بار رخيص جدا اغلبه رواده من الفئات الهامشية او السكيرة جماعة “الربعية”.
وحال بار الكت كات ليس افضل، وهو بار يقع على باب سينما رغدان ، وقد مضى له عزا كما يقال، اما الان فهو بار متواضع جدا وقد نال سمعة غير طيبة لدى رواد الحانات العمانية، المحافظون على رغم الخمرة المعشعشة في رؤوسهم، من انه مكان للقاء الشاذين والمثليين جنسيا.
على فكرة المحافظين، كلما كنت اجلس في حانة ابو احمد، كان احد الموظفين يغلق الستيريو ويمنع الاغاني، كلما ارتفع صوت الاذان وهو يحمل بين يديه صينية عليها مشروبات الزبائن، احتراما للاذان؟؟؟.
ليست حال حانات كل وشرب قرب البريد، والهيلتون على درج الكلحة، بافضل من بارات وسط البلد وقد تحول جميعها الى ملتقى الفئات المهمشة وبعض مثقفيها، وتردى اثاثها وخدماتها

اذا كانت حانات وسط البلد، او قاع المدينة، بحسب تعبير يوسف ادريس الذي بات على كل لسان وفي كل زمان، قد شهدت عزا فيما مضى قبل انزياح الطبقات وحلول الهوامش القادمة من الاطراف. فان جوار القاع كان له حانته ايضا التي كنا نتجرأ في بعض الايام على ارتيادها، حينما كانت وزارة التربية تمنحي الخمسة والعشرين دينارا قيمة المنحة الشهرية لدارستي الجامعية بوصفي كنت طالبا نجيبا متفوقا، نوعا ما.
كنت استلم هذه الدنانير، وكانت اكثر من كافية بالنسبة لطالب، واطير مع عدد من زملائي وزميلاتي الى حانات ومقاه اكثر رقيا في جبل عمان وجبل اللويبدة والشميساني الحديثة.
كنا نأخذ “باص الدولة” المرسيدس الاحمر والابيض الذي استورد من ايران وقتذاك، ونهبط إلى “البلد”، نزولا من الجامعة الى عند سينما زهران ثم نصعد في تجاه جبل عمان الدوار الاول، عبر “طلعة الحايك”.
على المستديرة الاولى للجبل القديم، افتتح في سبعينات القرن الماضي حانة ومطعم اطلق عليها “الديبلومات”، تيمنا باسم حانة شهيرة في باريس، على ما اعتقد.
“الديبلومات” هذه، وهي لا تزال قائمة الى اليوم على الطرف الشمالي للمستديرة، قد تكون شكلت مع حانة “الهورس شو” في الشميساني، التي تحولت مؤخرا الى “تشيلي وايز”، أو مقاه وحانات الأرصفة في الاردن، قبل ان تتناثر “الكوفي شوبات” وتتكاثر بأسرع من تكاثر الفطر بعد يوم مطار كيومي هذا.
ليس بعيدا عن “الديبلومات”، وقريبا من مستشفى ملحس افتتحت حانة اخرى على النمط الايرلندي اطلق عليها “افتر ايت After Eight”، وهي اشتهرت تجمعا للشباب اليساري وكان زارها ذات مرة الرئيس النيكاراغوي اليساري الحالي دانييل اروتيغا والتقطت له مع صاحبها صورة لا تزال معلقة في الحانة.
اما في جبل اللويبدة فكان قريبا من دوار الحاوز الجميل الذي تحول الى “دوار باريس” بعد ان فقد طابعه الاصلي، فقد افتتحت حانة ” لوس اميغوس Los Amigos”، أي الأصدقاء تعريبا عن الاسبانية وان كانت الحانة بعيدة عن النمط اللاتيني او الاسباني، قريبة من الحانات الأوروبية المترفة، وقد أغلقت هذه الحانة قبل سنوات، ويبدو ان “الصحوة الدينية” اثرت كثيرا على عمل البارات والحانات في الاردن، فـ”الشغلة ما عادت موفية”، بحسب رأي احدهم.
بقي ان اطراف القاع في تجاه المحطة، كان فيها ولا يزال حانتين شعبيتين هما “مطعم الحلتة”، وهو ليس بعيدا عن مجمع رغدان في تجاه المحطة، مقابل شركة التبغ القديمة التي تحولت الى مقر للهئية الهاشمية للاغاثة، وحانة اخرى اختفى اسمها من على اللافتة القديمة وتقع على “جسر النشا”.
مقاه عمان
تكاد تكون عمّان اكثر عاصمة عربية فيها مقاه نسبة الى عدد سكانها، وقد يكون هذا مستغربا للوهلة الاولى، وهو ليس كذلك، ذلك ان المدينة كانت محط زوار كثر من المحافظات والارياف والدول المجاورة، نظرا لتحشد كل الخدمات والدوائر الرسمية فيها قبل ان تنمو وتزدهر المدن الاردنية الاخرى.
امتدادا من منطقة رأس العين، مرورا بشارعي الملك طلال وسقف السيل وحتى ما بعد جسر رغدان وصولا للمحطة، ثم التفرعات مقابل المسجد الحسيني وشارع الملك حسين وشارع بسمان وحتى العبدلي وشارع الامير محمد، انتشرت العشرات من المقاهي، وانقسمت على قسمين: مقاهي الفئات الهامشية ومقاهي الفئات الدنيا من الطبقات المتوسطة.
بعضا من مقاه “الدخلات”..!!
تحت سينما “دنيا”، التي اندثرت وكان من فئات “الترسو” أي صالة للدرجة الثالثة، ومقابلها سينما “الكواكب” يقع مقهى صغير يرتاده في الاغلب والان بعض العاطلين عن العمل واصحاب البسطات في سقف السيل وعمال وافدون. قريبا منه يقع مقهى اخر مقابل سوق الخضار وهو اكبر حجما ويمتلك جهاز تلفزيون عريض الشاشة اعتاد العمال المصريون تحديدا على مشاهدة مباريات كرة القدم فيه.
وكان في دخلة “سينما الحمراء”، مقابل “سوق السقط”، أي السوق الذي يبيع اطراف الحيوانات واحشائها، وبجانب “حمام النصر” الذي لا يزال يعمل، كان هناك مقهى شعبيا تحول لاحقا الى مطعم.
تكتظ دخلات عمان بعدة مقاهي من الصعب حصرها، بيد ان مقهى كان في اول طلوع شارع بسمان لناحية المسجد الحسيني ومقابل “رمضان” بائع العرق سوس كان هناك مقهى في دخلة فرعية كنا نطلق عليه اسم “مقهى خبيني”، اذ كنا نرتاده في شهر رمضان نشرب الشاي وندخن بعيدا عن مشاعر الصائمين، وقد اغلق هذا المقهى الصغير منذ سنوات بعيدة.
مقاهي الدخلات كثيرة منها مقهى كبير نسبيا جانب ما كان يعرف بـ”سينما الحسين الفخمة” الايلة للسقوط الان.
مقابل البنك العربي لا يزال هناك مقهى في احدى الدخلات وكذلك في درج ابو فارس في شارع الشابسوغ، ومقهى في الدخلة المؤدية الى فندق صلاح الدين على سقف السيل، واخر قريب من المدرج الروماني.
تمتاز جميع مقاه الدخلات بانها لا تزال تحتفظ بمقاعد القش والخشب والطاولات الواطئة، ولا يزال عمالها ينثرون نشارة الخشب على ارضها لسهولة التنظيف.
اذا كانت عمان على عكس القاهرة او دمشق او بيروت لم تشهد مقاهي الفتوات والقبضايات، فان بعض مقاهي الدخلات “او مقاهي خبيني”، كان يشهد لعب القمار بورق “الشدة” وكان هناك دائما شخص ما ينظم هذه العملية، ويسمى ماسك “الكيسّ”، وهو اشبه ما يكون بالقبضاي الذي يتحكم بالورق والفلوس ويفض النزاعات.
ولقد كانت هذه المقاهي تحوي زبائن اقرب ما يكونون الى “القبضايات” وهو عند شرطة العاصمة او اغلبهم يعرفون بأصحاب أسبقيات، فعهد الفتوات والقبضايات وعقيد الحارات ولى وانتهى.
وفي هذه المقاهي يسمع الزائر خليطا من الاغاني الشعبية المصرية اساسا واغاني ام كلثوم وفريد الاطرش وبعضا من اغاني الموجة الجديدة وكل ذلك يعتمد على ذوق “كبير الكرسونية”.
مقاه “الصفوة”..!!
على ان عمان كان فيها ولم يزل مقاه ارفع مستوى تعتلي الطوابق الاولى من بعض الابنية وذات مساحات عالية وشرفات مطلة على الساحات العامة او لنقل التقاطعات المرورية، وكراس اكثر حداثة وطاولات اكثر ارتفاعا وخدمات افضل.
مقهى الجامعة العربية، وهو افتتح بعد سنوات من تأسيس الجامعة العربية، وابان المد القومي، وقد اتخذ اسمه تيمنا من هذه الجامعة التي ولدت ميتة، وهو يقع في المنى المقابل للمسجد الحسيني ويطل على عليه كما يطل على اول طلوع شارع بسمان، والى جانب المقهى هناك الكثير من فنادق الدرجة الرابعة، التي كان نزلائها يقضون وقتهم في المقهى.
الى الشمال منه يقع مقهى “كوكب الشرق” فوق سوق “الصاغة”، وهو قديم ربما اكثر قدما من مقهى الجامعة وقد افتتح في خمسينات القرن الماضي، وقد اشتهر ببث حفلات السيدة ام كلثوم، كما اعلمني اصحابه، وهو لا يزال يسمع مرتاديه صوت “كوكب الشرق”.
على الجهة المقالة منه يقع مقهى “بلاط الرشيد” مقابل البنك العربي، وهذا المقهى كان اكتشف اهميته النسبية عندما كان مقرا لبعض المثقفين مثل الروائي مؤنس الرزاز، فاعاد تجديد وطلاء الشرفة وزينها بالاعلام كل دول العالم، وأصبح ملتقى للسواح الأجانب او الدراسيين منهم في الاردن ولبعض المثقفين ايضا، وهو مثل بعض المقاهي الاخرى يشهد حضورا انثويا مكثفا ربما اكثر من غيره وقبل غيره.
كمثل مقهى كوكب الشرق وبلاط الرشيد والجامعة العربية هناك مقاهي “السنترال” الذي انحسر كثيرا بعد ان ازيلت شرفته الواقعة فوق مكتبة عزيزية، وكذلك مقهى الاردن والكمال وغيرها، وجميع هذه المقاهي تمتاز بنفس السمات تقريبا، وان كان مقهى الكمال مثلا غير معروف كثير للمثقفين او للنساء.

المتشبهين باليسار من الشباب..!
اما جديد عمان فهو مقهى “جفرا” الذي اكتسب اسمه من اسم قرية فلسطينية، وان كنت اعتقد انني قرات اسم هذه القرية ايضا في رواية “الجذور” لاليكس هاللي وهي القرية التي اخرج منها بطل الرواية “كنتاكنتي”.
ومقهى “جفرا” كان المفترض فيه ان يكون على غرار مقهى “عمون” في العبدلي، ملتقى او هو كان في بداياته كذلك، ملتقى لشباب انضموا حديثا لليسار، ولكنه تحول الى “كوفي شوب” عادي باسعار مرتفعة نسبيا قياسا الى مقاهي وسط البلد ما جعل “المثقفين واشباه المثقفين والمغرمين بنمطيات اليسار” ان يهجروه الى مقاه اخرى اقل تكلفة.
وما حدث لجفرا حدث ايضا لمقهى عمون، فهو لم يعد المكان المفضل للداخلين حديثا في صور اليسار والمثقفين الهامشيين والمهمشين. اصحاب اللحى الطويلة والشعور المجدولة، وطاقيات غيفارا وزياد رحباني ونظاراته، المتأبطين كتبا لم يقرؤوا أغلفتها، المطالعين في صحف الاعلانات الحديثة.
لكن عمان صار لها مقاهيها المترفة ايضا على قمم جبالها الغربية، مقاه ارصفة يطلق عليها اسماء غربية وشرقية، وبعضها اخترع “الارجيلة الديلفري”، وهي مقاه اراها ولا ارتاد الكثير منها، خوفا من ان يفرض علي صحن ترمس او صحن فول او قطعة “كاتو” زنخة وفاتورة فوق التصور



عمّان التي تجد دائماً مَنْ يماشي سرعتها

.حسن داوود-جريدة المستقبل

هذه المرة أقمنا في عمّان أربعة أيام ولم نشعر بالحاجة إلى النزول لوسط البلد. قلنا إننا نعرفه من زياراتنا السابقة وإنه، كما قال لنا آخرون من نزلاء الفندق، لم يتغيّر أبداً. وقد بدا لنا ذلك صحيحاً أثناء ما رحنا نعبر شارعه العريض في الليلة التي سبقت رجوعنا إلى بيروت. اللافتات التي صرنا نقرأها معلقة على الجانبين ذكّرتنا بأننا قرأناها من قبل. محلات الألبسة ومحلات بيع الحلويات ما زالت هناك، محتفظة بديكوراتها القديمة ذاتها. محلات الأشرطة الموسيقية، الكثيرة، ما زالت هناك أيضاً، ولم تبد أنها طوت جيل المغنين الذين كانت قد رفعت بوسترات لهم منذ أربع سنوات أو خمس. “هاشم”، مطعم الفول الذي كان مثقفو عمّان، في زياراتنا السابقة، قد تحدثوا عنه مضفين عليه ما يضفيه المثقفون على مطارح مخصوصة من مدنهم (مثل “غروبي” في القاهرة، أو “الهورس شو” في بيروت الستينات) ما زال قائماً في ذلك الزقاق. قال لنا السائق إنه يفتح 24 ساعة في اليوم، من أيام ما كان يتناقل أبناء عمّان أن مطعماً فيها يفتح 24 ساعة في اليوم.
ولم يخذل الآكلون مطعمهم القديم فها هم الآن، بعد التحوّلات المستمرة التي تشهدها عمّان، ما زالوا مالئين كراسيه وطاولاته في الساعة الثانية عشرة ليلاً. وعلى الأرجح لم يخذل النزلاء تلك الفنادق القديمة التي في وسط البلد هي أيضاً، حاملة على لافتاتها أسماء تعود إلى الزمن الذي كانت المدن العربية فيه تزهو بأخواتها. على واجهة تلك الأبنية القديمة قرأنا: “فندق القاهرة”، ثم “فندق الرياض”، ثم “فندق بيروت”… وربما استُدعيت، على لافتات أخرى لم نشاهدها، عواصم عربية أخرى. عمّان، في وسطها ذاك، ما تزال قانعة بزمنها القديم. كانت مضاءة ما تزال، في وقت الثانية عشرة ليلاً، المقاهي التي قلنا إذ دخلنا إليها في زيارتنا السابقة، أن شيئاً لم يتغيّر فيها منذ أن جُعلت مقاهي في سنوات الأربعينات.
لكننا أقمنا في عمان أربعة أيام لم نشعر فيها بالحاجة إلى النزول لوسط البلد. السائق الذي كان ينقلنا في النهارات بين “الدوار” الخامس والدوار السادس، راجعاً بعد ذلك إلى الدوار الثالث مثلاً، أو الثاني، راح يقول لنا ان عمّان هي الآن في أحسن أيامها. وهو عزا ذلك إلى التجار العراقيين الذين رحنا نشاهد سياراتهم الفخمة دالة على نفسها بلوحاتها العراقية. قال السائق ان بعضهم عاد من العراق بعد أن كان قد جازف بإرجاع تجارته إليه، وبعضهم الآخر جعل من الأردن مركزاً لتجارته العراقية. لكننا، فيما نحن نطوي “الدوّارات” طاوين معها الفنادق الفخمة التي باتت هي معالم المدينة الجديدة، رحنا نقول ان التجار العراقيين لا يكفون وحدهم سبباً لهذا التغيّر. كما لن يكون كافياً أن نضمّ إلى هؤلاء السيّاح الأجانب الذين رحنا نشاهدهم متنزهين مرتدين ثياباً هي أخف مما يقتضيه طقس نيسان، الذي ما زالت فيه برودة ظاهرة.
لم يبد لنا كافياً وجود هؤلاء ولا مجيء أولئك. في مقاصف فندق الأنتركونتيننتال الواسع الضخم لم يكن الزبائن الساهرون من العراقيين والغربيين فقط. في المطعم المكسيكي، وهو أحد مطاعم الفندق، بدونا كأننا في Pub بريطاني إذ بدا رواده كأنهم أتوا للشراب وليس للطعام، وكان أكثرهم من الأردنيين الذين أحببنا أن نصفهم بأنهم نخب مهن الأردن الجديدة. في “اللوبي” الذي تتجمع حوله المقاهي والمقاصف، كانت اللغة الانكليزية مترددة على الطاولات وفيما بين الطاولات. كما أنها لفظت بعض كلمات وجمل منها إلى خارج الفندق فراح بائع الزعتر يخلطها خلطاً بعربيته. وقد فعل الشيء نفسه موظف خدمة الغرف الذي جعل يسألنا إن كنا مرتاحين مستعملاً لذلك لغته الانكليزية التي ما زالت في أولها. أما السائق الذي قال لنا أنه من القدس التي نزح منها في 1967 فقال لنا، فيما نحن ننزل من سيارته، “ثانك يو”، موهماً إيانا بأنه التقطها في سنة من سنوات حياته التي جاوزت الخامسة والستين.
عمّان تركت مجتمعها القديم في وسطها (وسط البلد) القديم. لا تحب أن تخلط البشر بعضهم ببعض، كما لا تحب أن تتجمع أزمنة كثيرة في مكان واحد. في فترة من فتراتها كان تغيّرها قد حلَّ في منطقة الشميساني. في فترة أخرى انتقل جديدها إلى “عبدون”، هذه التي لم تلبث أن تراجعت أمام منطقة جديدة ثالثة. الآن يبدو جديد المدينة متمثلاً بالفنادق التي تسابقت سلاسل الخمس نجوم العالمية على بنائها هناك. قال لنا صاحب محل المآكل السريعة ان البنايات في عمّان لا ترتفع أكثر من ثلاثة طوابق. إلا الفنادق، قال، تلك التي تبدو مغيّرة، بارتفاعاتها الشاهقة، منظر المدينة. “أين تحب أن نتناول عشاءنا” يسأل الصديق صديقه، فيجيبه مسمياً أحد المطاعم في أحد الفنادق.
عمّان الجديدة تتغيّر متأثرة بمجتمع فنادقها. “لقد سبقتنا في اعتماد الخدمات المتجددة للهاتف المحمول”، قال الصديق اللبناني شارحاً ماذا يعنيه ذلك الاعلان المرتفع في الشوارع كلها. ثم أنهم رفعوا لافتات أخرى تعلن عن خدمات الانترنت الجديدة. أما السهر الجديد فيجري ابتداء مما بعد العاشرة، بحسب ما كُتب على باب أحد المقاهي.
هذا وقد توزعت في بعض أنحاء عمّان الجديدة محلات بيع “الأثريات المحدَّثة” فبدت هذه المحلات كأنها منسوخة عن شبيهاتها التي تقام في الفنادق الفخمة. إنها “فاحشة” قال الصديق اللبناني محتجاً على أسعار المصنوعات اليدوية التي تباع فيها. “كم ثمن غطاء الطاولة؟” سألنا البائع في أحد المحلات. “سبعمئة وخمسين ديناراً”، أجابنا من دون أن يخطر له أننا ربما لا نكون من أنواع الزبائن التي تتعاطى بهذه الأسعار. “ذاك لأن غطاء الطاولة هذا قديم، قال، موسعاً المسافة بين زمنه الجديد والزمن القديم. كأنه بذلك ينظر إلى ماضي بلده من درجة اختلافه عنه ومن ابتعاده الذي يجعله يندهش إذ يرى لباس أهله السابقين.
وقد تغيّرت أيضاً التسميات. المقهى الذي يبدأ السهر فيه من بعد الساعة العاشرة سمّى نفسه: Kanabaya، هكذا من دون أن يذكر الاسم بالخط العربي. أتيليه المصنوعات الخزفية، الأكثر حداثة في عمّان، سمى نفسه “صلصال”، بما يشبه أن يكون عودة إلى اللغة العربية بعد فترة اغتراب قضاها صاحبها في بلد أكثر تمدّناً. كلمة صلصال، كما كلمة “أيادي” التي تسمى بها محلّ تحف آخر، تبدوان كما لو أنهما من صنيع اللعب باللغة من أجل إعطائها وقع لغة أخرى، أو من أجل أن تكون، هي العربية، لغة عابرين لا لغة مقيمين.
عمّان تتغيّر دائماً، إنها تفاجئنا في كل مرة نزورها. نصير، في كل زيارة لنا جديدة، نقول بأن علينا أن نقصد المكان الذي كنا فيه عند زيارتنا السابقة، هكذا كأنما من أجل أن نبقي خطّها متصلاً في ذاكرتنا. في أحيان تبدو لنا مُرْفقةً التغيّر بإرادة التغيّر، فتكون كأنها تسابق نفسها غير آبهة بأن بعض ما يجري فيها قد يجعل زائرها يقول: هل ما زلنا في عمّان حقاً؟ ذلك البعض الذي منه مثلاً السطر الذي قرأناه في أثناء ما كنا ننظر إلى شاشة جدول الرحلات في المطار لنتبيّن أي بوابة توصل إلى طائرة بيروت. على الشاشة المضاءة قرأنا تفاصيل الرحلة الذاهبة إلى تل أبيب، هكذا من دون أن تتميّز كلمة تل أبيب عن أسماء العواصم الأخرى. لا خطاً أحمر تحت الكلمة ولا نجمة من تلك التي توضع للإشارة إلى توضيح أو إلى سوء تفاهم. كانت الكلمة عادية، والمعلومات القليلة التي تكمل سطرها عادية هي أيضاً. “منذ متى تطير الطيارات بين الأردن واسرائيل؟” سألت الصديق اللبناني العائد معي إلى بيروت. لا يعلم، بحسب ما قال. كأن ذلك حدث حدوثاً عادياً هو أيضاً، ولم يُحدث الصدمة التي من بعدها فقط يصير حقيقياً.


شبان عمان: من وسط البلد إلى الغرب وبالعكس

التوسع الهائل الذي شهدته منطقة غرب عمان في العقود الثلاثة الأخيرة، وما رافق ذلك من افتتاح أسواق جديدة ومجمعات تجارية ضخمة، جذب الأجيال الشابة إلى تلك المناطق بعيدا عن الوجهة التقليدية لشبان عمان من الجيل السابق؛ عن وسط البلد. وحتى سكان عمان الشرقية أخذوا يتجهون إلى تلك الأماكن الجديدة، ولم يعد وسط البلد والساحة الهاشمية وزيارة المطاعم والمقاهي والمحلات التجارية هناك أمراً محبباً لدى كثير منهم، وبدأ ما يشبه «الهجرة » إلى شارع الوكالات ودوار عبدون، والمولات الموجودة في شارع مكة.
«إحنا تعودنا على نمط الحياة العصرية.. بنحب الأضواء والمطاعم الفخمة. الأشياء القديمة والتقليدية حلوة، بس ما عادت تناسبنا ». تقول لمى التي لا تعرف شيئاً عن وسط البلد، إنها زارته مرة أو مرتين حينما كانت صغيرة، أما الآن فإن جميع «طلعاتها » إلى مقاهي عبدون، أو للتسوق في شارع الوكالات. ويخالفها قليلاً بالرأي صديقها عمر، الذي يقول «لا بد لنا من زيارة عمان القديمة، ومعرفة أين كان يذهب آباؤنا، ولكنها بالتأكيد لا تناسب نمط الحياة الجديدة، التي تربينا عليه ». يعتبر لما وعمر، نماذج تمثل أغلبية شباب هذا الجيل، الذي لا يعتبر عمان القديمة، مكاناً للتنزه أو تغيير الجو، بل لزيارات قليلة يقوم بها بين حين وآخر، للتعرف على نمط حياة مختلف. في الفترة الأخيرة، ومع انتشار محلات «الدي.في.دي » والمقاهي الحديثة التي تعمد إلى تنظيم حفلات وجذب الشباب، حدث تحول لدى كثير من الشبان، وأصبح وسط البلد بالنسبة لهم، المكان الأنسب لقضاء نهاية الأسبوع، وقضاء وقت ممتع. «بالنسبة إلي، العشا في شهرزاد بعدين أرجيلة في جفرا
بتسوى كل الدنيا، الجو في البلد غير شكل، زهقنا من المولات ومن زحمة عبدون، هون بنشوف إشي تاني »، يقول طارق الذي أصبح هو وأصدقاؤه يترددون على وسط البلد، فهم يجدون هناك عمان أخرى، غير التي تعودوا عليها، «حتى ريحة الهوا في البلد غير، شكل العمارات مختلف، وبتشوف هناك سياح، وناس من أماكن مختلفة .. بتحس بغِنى عمان لما تروح على البلد ». أما صديقه علي فيقول إن ما يدفعه لزيارة وسط البلد أسبوعيا، هو محلات الأفلام المنتشرة في شارع الأمير محمد، «وأخيراً لقيت المكان اللي برتاح فيه .. أنا «بتسوق » كل أسبوع من هاي المحلات، وبقعد فيها أكثر من ساعتين، ما بلاقي هاي الأشياء في مكان تاني ». ويؤكد علي أن الفطور في مطعم هاشم بعد الفجر، يعطي طعماً مختلفاً لليوم كله. أما المقاهي مثل مقهى بلاط الرشيد والكنافة المميزة، فما زالت تجذب الكثير من الشباب وتحببهم بوسط المدينة، «أنا بتذكر من أيام ما كنت في كلية الحسين، كنا ننزل كل يوم، وناكل صحن كنافة. حتى بعد ما طلعت من المدرسة لسه بنزل على حبيبة ،» يقول عمار الذي اعتاد زيارة وسط البلد، في طريق عودته من مدرسته إلى بيته في ماركا، «لما أنزل عالبلد، بتذكر هديك الأيام، وكيف كنا بنغير جو بعد يوم متعب في المدرسة .»

يقول أيمن الذي يقضي نهاية كل أسبوع في مقهى بلاط الرشيد، ليلعب مع أصدقائه الشدة أو الشطرنج، «هون بتحس أنو مقهى. مش زي كوفي شوبات عمان الغربية، اللي كلها قهوة أميركية وكيك. هون الشاي والزهورات بتعطيك إحساس إنك في محل عربي قديم »، ويتفق معه أصدقاؤه الذين يشاركونه هذه النشاطات كل أسبوع. رغم أن مراكز عمان الحديثة تجذب معظم الشبان والشابات إليها في نهايات الأسبوع وأيام العطل، فإن التغييرات التي وقعت أخيرا في وسط البلد، نجحت في تغيير وجهة كثير من الشبان في اتجاه الوجه الحقيقي والأصيل لمدينة عمان.

.عدي الريماوي

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.